الإبادة الجماعية في غزة : حرب إسرائيل الممتدة على فلسطين > مراجعات كتاب الإبادة الجماعية في غزة : حرب إسرائيل الممتدة على فلسطين > مراجعة Rudina K Yasin

هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
5

الإبادة الجماعية في غزة (حرب إسرائيل الممتدة على فلسطين

Genocide in Gaza: Israel, Hamas, and Long War on Palestine

المؤرخ الاسرائيلي آڤي شلايم –Avi Shlaim  

ترجمة د. شهد عباس

منشورات تكوين ضمن سلسلة تساؤلات

عدد 370 صفحة

نشر عام 2025   الطبعة الاولى

الكتاب رقم 12 من العام 2026

سرني ويشرفني أن أقدّم هذا الكتاب إلى القارئ العربي، إذ تنبثق هويتي من تقاطعات ثقافية متعدِّدة الأبعاد: فأنا يهودي - عربي في آنٍ واحد، وُلِدْتُ في بغداد، وتلقّيْتُ تعليمي المدرسي في إسرائيل، ثم واصلت دراستي الجامعية في بريطانيا، حيث استقرّ بي المقام منذ أكثر من خمسين عامًا لقد شكّل قيام دولة إسرائيل عام 1948 مظلمة كبرى حلّت بالشعب الفلسطيني، وأسّس لانقسام عميق وجذري بين اليهود والعرب في منطقة الشرق الأوسط، انقسام ما زالت تداعياته تتجلّى حتى يومنا هذا السياسات الإسرائيلية بأنها جزء من بنية تشريعية تقوم على "نظام الأبارتهايد" ومنطق استعماري دموي يقوم على "القتل المشروع.

يعتز شلايم بخلفيته قائلاً: "تنبثق هويتي من تقاطعات ثقافية متعدِّدة الأبعاد: فأنا يهودي - عربي في آنٍ واحد.. وبسبب الإرث التاريخي، باتت فكرة «اليهودي - العربي» تُعدّ متناقضة في نظر كثيرين".

كتب عن الكتاب

الكتاب ليس دراسة أكاديمية منهجية بقدر ما هو موقف أخلاقي وسياسي معلن يعبّر فيه آڤي شلايم عن رؤيته للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بوصفه صراعاً استعماريّاً طويل الأمد يقوم على اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وتثبيت بنية دولة تقوم على الامتياز القومي اليهودي.

يعلن شلايم بوضوح، بوصفه يهودياً وباحثاً من المؤرخين الجدد، أنّ لديه واجباً أخلاقياً لفضح ما يسميه بـ “الفاشية الصهيونية" والدفاع عن الشعب الفلسطيني في لحظة معاناته القصوى..

يقدّم المؤلف شهادته بصفته "شاهداً من الداخل"، أي شخصاً نشأ ضمن الهوية اليهودية الإسرائيلية لكنه اختار تفكيك سرديتها القومية من موقع نقدي. يربط بين التاريخ والسياسة الراهنة ليظهر أن ما يحدث اليوم في غزة والضفة الغربية ليس حدثاً طارئاً، بل استمرار لسياسات تهدف إلى السيطرة الدائمة ونفي الوجود الفلسطيني.

يضع نفسه في صفّ المثقفين الذين لا يرون في الكتابة فعلاً معرفياً فقط، بل التزاماً أخلاقياً تجاه الضحايا. كما يسعى إلى إظهار أن الصمت أمام العنف هو شكل من أشكال التواطؤ، وأن المسؤولية الأخلاقية لا تُسقطها الهوية أو الانتماء الثقافي. في هذا الإطار، يتحوّل الكتاب إلى بيان موقف ودعوة صريحة إلى مقاومة البنى الاستعمارية التي لا تزال فاعلة في فلسطين حتى اللحظة

أن الحرب التي أعقبت عملية حركة حماس في 7 أكتوبر 2023 شكّلت نقطة تحوّل حاسمة في مسار الصراع، واعتبرها واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخه الحديث. ويشير إلى أن الهجوم الإسرائيلي يُعدّ الثامن على غزة منذ عملية «الرصاص المصبوب» عام 2008، لكنه الأكثر عنفًا ودمارًا من حيث حجم الخسائر البشرية والمادية مقارنة بما سبق.

الكتاب يربط ما يجري في هذه الحرب بإطار أوسع من الدعم الدولي لإسرائيل، معتبرًا أن استمرار تزويدها بالسلاح، إلى جانب الغطاء السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية، يضع قوى غربية كبرى في دائرة المسؤولية الأخلاقية والقانونية. وفي هذا السياق، يستشهد المؤلف بقول المفكر نعوم تش ومسكي إن «الاستعمار الاستيطاني هو الشكل الأكثر تطرفًا ووحشية من الإمبريالية»، معتبرًا أن الحالة الفلسطينية تمثل تجسيدًا صارخًا لهذا النمط من السيطرة.

تعد مقدمة الكتاب رؤية تحليلية تربط بين الماضي والحاضر، موضحًا أن "إسرائيل لم تكن يومًا مهتمة بالحلول الدبلوماسية إلا كغطاء لتوسيع مشروعها الاستيطاني ويرى أن أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لم تكن البداية، بل كانت "انفجارًا لمرجل غلى طويلًا تحت ضغط الحصار والانكار

ينصب تركيز الكتاب بعمق على الفصول التي تحلل مفهوم "الإبادة الجماعية"، حيث يقدم شلايم مرافعة فكرية تثبت أن الأفعال الإسرائيلية في غزة استوفت الأركان القانونية للجريمة، عبر اقتباسات من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين ليؤكد وجود "نية الإبادة"، مشيرًا إلى أن وصف الفلسطينيين بـ"الوحوش البشرية" لم يكن زلة لسان، بل كان تمهيدًا أيديولوجيًا لرفع الضوابط الأخلاقية وفي فصوله التي تتناول الحرب على غزة بالتفصيل، يفكك شلايم استراتيجية "جز العشب" التي انتهجتها إسرائيل لسنوات، بحيث يحلل كيف تحولت هذه السياسة من محاولة لاحتواء المقاومة إلى عملية "تدمير شامل" للبنية التحتية للحياة.

ويتوسع شلايم في الحديث موضحًا أن إسرائيل لم تستهدف المقاتلين فحسب، بل استهدفت أيضًا "مقومات البقاء"، فالتدمير الممنهج للمخابز، ومحطات تحلية المياه، والمستشفيات، والجامعات، يمثل في نظره "إبادة اجتماعية وثقافية" تهدف إلى جعل غزة مكانًا غير قابل للحياة البشرية حتى بعد توقف المدافع. ويقتبس شلايم في هذا السياق: "إن الهدف ليس تدمير حماس فحسب، بل أيضًا تدمير المجتمع الذي أنتجها، وهو ما يضعنا أمام جريمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية".

ويركز على استهداف الأرشيفات المركزية، والمكتبات العامة، والمواقع الأثرية مثل المسجد العمري الكبير والكنائس القديمة، ويرى أن هذا التدمير يهدف إلى "اقتلاع الفلسطيني من تاريخه"، فمن خلال محو الشواهد المادية على الوجود التاريخي للفلسطينيين في هذه الأرض، تسعى الرواية الصهيونية لإعادة صياغة المكان بوصفه "أرضًا بلا تاريخ" لغير اليهود، وهو ما يسميه شلايم "عملية محو الذاكرة الجمعية.

وعند الحديث تدمير الأراضي الزراعية، واقتلاع الأشجار، وتخريب شبكات المياه والصرف الصحي، وهذا النوع من التدمير يهدف إلى "تسميم شروط البقاء"، فعندما تصبح التربة غير صالحة للزراعة والمياه غير صالحة للشرب، فإن الإبادة هنا تصبح صامتة وتعمل على المدى الطويل، حيث يضطر السكان إلى الرحيل قسرًا ليس هربًا من القنابل فحسب، بل هربًا من بيئة أصبحت معادية للحياة البشرية كذلك.

تحوّلت المستشفيات من ملاذ أمن إلى مراكز للعمليات العسكرية، ويرى الكاتب أن خروج المنظومة الصحية عن الخدمة هو "حكم بالإعدام المؤجل" على الجرحى والمرضى وأصحاب الأمراض المزمنة، مُشدِّدًا على أن استهداف الكوادر الطبية وسيارات الإسعاف يهدف إلى نشر "اليأس المطلق"، بحيث يدرك الفلسطيني أنه لا يوجد مكان واحد في غزة يمكن أن يوفر له الحماية أو العلاج.

كل هذه الأنماط المجتمعة شكلت "هندسة للإبادة"؛ فهي ليست أفعالًا عشوائية فرضتها ظروف الحرب، بل هي "سياسة أرض محروقة" تهدف إلى تجريد الفلسطيني من كل ما يجعله كائنًا سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا، فيما يختتم شلايم هذا التحليل بالتأكيد على أن إسرائيل، عبر هذا التدمير الشامل، تسعى لفرض "نكبة ثانية" تكون أكثر عمقًا ونهائية من نكبة عام 1948، من خلال تحويل الوجود الفلسطيني في غزة إلى مجرد عبء إنساني يبحث عن إغاثة، بدلًا من كونه شعبًا يطالب بحق تقرير المصير.

كما يتوقف الكتاب طويلًا عند فصل "إبادة الأطفال"، حيث يقدم أرقامًا وتحليلات مروعة حول استهداف الجيل القادم، معتبرًا أن قتل آلاف الأطفال وتشويه عشرات الآلاف الآخرين هو فعل مقصود لكسر إرادة الشعب الفلسطيني للأبد.

وفي استعراض لفصول الكتاب الأولى، يأخذنا شلايم في رحلة تبدأ من الخطيئة البريطانية الأولى ووعد بلفور، وصولًا إلى الفصل المتعلق بـ"التواطؤ الأميركي"، بحيث يخصص شلايم مساحة واسعة لنقد الدور الذي لعبته إدارة جو بايدن، واصفًا إياها بأنها "الشريك الصامت في الإبادة" من خلال تزويد إسرائيل بالغطاء السياسي والسلاح الفتاك بينما تكتفي بإطلاق تصريحات خجولة حول المساعدات الإنسانية.

وتكمن أهمية هذا الكتاب في أن شلايم، بصفته يهوديًا عراقيًا وبريطانيًا، يخاطب الضمير الغربي بلغة يفهمها، مستندًا إلى أرشيفات ووثائق لا تقبل التأويل، بحيث يقدم "مانيفستو" للعدالة، مؤكدًا في ختامه أن الأمن الإسرائيلي لن يتحقق أبدًا عبر سحق الشعب الفلسطيني، وأن الطريق الوحيد للخروج من دائرة الدم هو الاعتراف الكامل بالحقوق الوطنية الفلسطينية وإنهاء نظام الفصل العنصري الذي يغذي هذه الإبادة الممتدة، لذا، فإن كتاب شلايم يشكل صرخة في وجه الصمت الدولي، ومحاولة جادة لاستعادة الحقيقة من براثن الدعاية السياسية.

إن تزويد إسرائيل بأسلحة القتل الجماعي، إلى جانب الحماية الدبلوماسية التي تحظى بها في الأمم المتحدة، يجعل الولايات المتحدة وبريطانيا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي ليسوا مجرد متواطئين فحسب، بل ممكّنين لجرائم الحرب الإسرائيلية الفادحة. وقد لاحظ نعوم تش ومسكي أن “الاستعمار الاستيطاني هو الشكل الأكثر تطرفا ووحشية من الإمبريالية”. ولا يوجد ما يجسد هذه الحقيقة الجوهرية على نحو أوضح من حرب إسرائيل الطويلة والوحشية ضد الشعب الفلسطيني.

تقول فرانشيسكا ألبانيزي – المقرِّرة الخاصة للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة: إن المجتمع الدوليّ يقف اليوم على حافّة هاوية قانونية وأخلاقية، إذ إن إفلات إسرائيل المستمرّ من المحاسبة لم يؤدِّ إلى تصعيد ممارساتها الشنيعة فحسب، بل بات يُقوّض أسس القانون الدوليّ ذاته. وفي هذا السياق، شكّل قرارُ محكمة العدل الدوليّة إدانةً صريحةً وواضحةً لسلوك إسرائيل، مؤكّدًا عدم شرعيّته وطابعه الاستعماريّ التوسّعي، بما يُمهّد لتحوّلٍ حقيقيّ في الموقف الدوليّ. لقد جاء هذا القرار بمثابة نداءٍ حاسمٍ ينبغي على الدول أن تُصغي إليه، فلم يعُد مقبولًا – لا أخلاقيًّا ولا قانونيًّا – الاستمرارُ في التعامل مع الاحتلال كأمرٍ واقع. بل أصبح التخلي عن هذا الموقف التواطئيّ التزامًا قانونيًّا صريحًا يقع على عاتق الدول. 

وتكمل: بالنسبة إلى كلٍّ منّا، لم يعُد هناك متّسعٌ للتقاعس، لقد حان وقتُ الفعل. فالشعب الفلسطيني بات يواجه تهديدًا وجوديًّا، ومن محض الحماقة تصوّرُ أن أيًّا من هذه الأعمال والسياسات قد يجعل الإسرائيليين أكثر أمانًا واستقرارًا، في عالمٍ نرجو أن يكون قد شهد آخر إبادة جماعية في التاريخ الحديث. علاوة على ذلك، إذا فشل المجتمع الدوليّ في محاسبة إسرائيل في أعقاب هذا العنف المتواصل، فإنه بذلك يكون قد حطم عن قصد الأساس الذي قام عليه القانون الدوليّ على مدى القرن الماضي. وكما حذّر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدوليّة من أن التطبيق الانتقائي للقانون من شأنه أن يتسبب في الانهيار التام لمنظومة العدالة الدوليّة في نهاية المطاف. وبينما نشاهد أول إبادة جماعية استعمارية استيطانية تُبثُّ مباشرة، يصير تحقيق العدالة ضرورة لا تحتمل التأجيل، لأن العدالة وحدها، بمفهومها الأوسع، قادرة على مداواة الجروح التي تركتها المصالح السياسية تتقيَّح لعقود. وكما اختتمت تقريري الأخير، «الإبادة الجماعية كمحو استعماري»، فإن الفتك بهذا العدد الهائل من الأرواح لا يشكِّل فقط إهانة للإنسانية، بل يمثِّل أيضًا تهديدًا جوهريًّا لكل ما يجسّده القانون الدوليّ.

يؤمن آفي شلايم بالوظيفة التخريبية للتاريخ، وباستخدام المصادر الأرشيفية لتحدي المسلمات السائدة وتفكيك الأساطير القومية. وهو يرى أن “المهمة الأساسية للمؤرخ ليست السرد الزمني، بل التقييم… إخضاع ادعاءات جميع الأطراف لفحص صارم، ورفض كل ادعاء، مهما كان عزيزا ومتجذرا، إذا لم يصمد أمام هذا الفحص.”

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق