صدر هذا الكتاب عام 2021 في لحظة لم يكن فيها الجدل حول النسوية قد هدأ، بل كان يتلظّى على جمر أزمة كوفيد التي كشفت بمراراة ما كانت تواريه البلاغة النسوية السائدة من تفاوتات راسخة في جسد الحركة ذاتها. وقد جاءت رافيا زكريا — المحامية الباكستانية الأمريكية وناشطة حقوق الإنسان — بكتاب ينزع إلى إعادة تأسيس الحركة النسوية لا مجرد نقد داخلي خافت الصوت. وما يزيد الكتاب استحقاقاً للقراءة من هذه الجهة أن صاحبته تنتمي نسبياً إلى الجنوب الإسلامي، وتكتب من داخل التجربة التي تحلّلها لا من فوقها؛ وهو موقع لم يتّسع له تاريخ الكتابة النسوية الغربية كثيراً.
تُحدد زكريا منذ الصفحات الأولى أن “النسوية البيضاء” ليست وصفاً عرقياً يتعلق بلون بشرة صاحبته، بل هي موقف فكري يتمثّل في الرفض الصريح أو الضمني للاعتراف بالدور الذي يؤديه الامتياز العرقي في تشكيل تجربة المرأة. هذا التمييز بين العرق والأيديولوجيا هو أذكى ما في الكتاب وأكثره إثارةً للتفكير؛ لأنه يسدّ الباب أمام المتذرعين ببياضهم الجلدي حجةً على براءة مواقفهم، ويفتح في الوقت نفسه مساءلةً مشروعة تطال كل من يُعيد إنتاج البنى الاستبعادية بصرف النظر عن انتمائه العرقي.
تتتبع زكريا الروابط بين النسوية والتفوق الأبيض من حركات حق الاقتراع الأولى وحتى يومنا هذا، موضحةً كيف أن التحالف الذي يُفترض أنه قائم على مبدأ المساواة مليء في الواقع بعدم المساواة والاستغلال. ومن أبلغ شواهدها التاريخية أن النسويات الأمريكيات في عشرينيات القرن الماضي رفضن دعم نظيراتهن من نساء أمريكا اللاتينية في معركتهن ضد الإمبريالية؛ وهو نهج لا يجد المرء عند تحليله ما يختلف جوهرياً بين ما كان يجري عام 1921 وما يجري في زمننا هذا. وبهذا تحوّل الكتابُ من مساءلة ذاتية داخلية إلى مسائلة تاريخية تكشف أن الخلل ليس هفوة عارضة بل نمط بنيوي متوارث.
يبلغ الكتاب ذروته التحليلية في معالجته لظاهرتين لافتتين. أولاهما ما تسميه زكريا “الصناعة الإنقاذية البيضاء” حيث تتحول قضايا المرأة في الجنوب العالمي إلى مسرح تُثبت فيه النسويات الغربيات أوراق اعتمادهن الأخلاقية أمام الرجال البيض، فتحتل صورة المرأة “المُنقَذة” مكانة دعائية تُعزز صورة المُنقِذة لا حرية المُنقَذة. وثانيتهما ما تسميه “النسوية الأمنية” (securo-feminism) حين تتحالف خطابات تحرير المرأة مع المشاريع العسكرية والاستعمارية، وأفغانستان تظل النموذج الأصفى: كيف وُظِّف الخطاب النسوي ذريعةً لتسويغ الاحتلال، ثم أُغلق الملف حين انسحب الجنود وتركوا النساء لمصيرهن. وتذهب زكريا إلى أن النسوية البيضاء تستخدم حياة السود والسمر ميداناً لإثبات أوراق اعتمادها، وأن الحرية صارت في هذه المعادلة لعبة صفرية تكسب فيها المرأة البيضاء على حساب الجميع.
هنا تحديداً يكتسب الكتاب ثقلاً استثنائياً للقارئ العربي. فالنقاش حول المرأة المسلمة ظل تاريخياً مشدوداً بين قطبين متقابلين: نسوية غربية ترى في الحجاب والرمزية الدينية علامةً حتمية على اضطهاد ذكوري، ومحافظة تقليدانية تصادر حق المرأة في التفكير النقدي في موروثها ذاته. وزكريا لا تُريح أي الطرفين؛ فهي من جهة تفضح توظيف النسوية الغربية لجسد المرأة المسلمة أداةً لخطاب الحضارة والتخلف، ومن جهة أخرى لا تقدّم الموروث ديناً محصّناً من المساءلة. وفي هذا توازٍ مثير مع تراث نقدي عربي لم يلقَ حظه من التداول: فالنساء العربيات اللواتي كتبن في مسألة الجندر والإسلام -من نوال السعداوي في طرفها المتوتر مع التراث، إلى فاطمة المرنيسي في قراءتها التاريخية التجديدية- كنّ يمارسن في الحقيقة ما تطالب به زكريا: الرفض المزدوج لكل من استعمارية الخطاب الغربي وتأبيد البنى الأبوية المحلية. غير أن المفارقة هي أن هذا الإرث النقدي العربي ذاته ظل مهمّشاً في مرجعيات الكتاب الغربية الأصل.
لعل أبلغ اختبار عملي لأطروحة زكريا لا يُوجد في المقارنة بين الشمال والجنوب العالميين، بل يُوجد داخل المجتمع الواحد حين تتسع الهوة بين النسوية المدينية ونساء الريف والصعيد. ففي السياق المصري تحديداً، تكشف هذه الهوة عن نظير داخلي تام لما تصفه زكريا: نسوية القاهرة والإسكندرية -بأدواتها المفاهيمية المستوردة من أكاديميات الغرب، ولغتها الإنجليزية المُعلَّمة، وأجنداتها المصاغة في ضوء مؤتمرات أممية- تُمارس على نساء الريف المصري ما تُمارسه النسوية البيضاء على نساء الجنوب العالمي: تعريفاً من الخارج لما يُعدّ مشكلة، وتحديداً من فوق لما يُعدّ حلاً، ثم تهميشاً فعلياً لصوت المعنية بالأمر في رسم مصيرها.
وهذا التوازي ليس مجازاً أدبياً بل واقعة موثقة؛ فحين تُناقَش ظاهرة زواج القاصرات في الريف المصري في المنابر النسوية المدينية، يغلب أن يكون الخطاب الحقوقي قانونياً وإجرائياً -يُطالب بتغيير السن ورفع العقوبات- دون أن يسأل ماذا تقول المرأة الريفية ذاتها عن الشروط الاقتصادية التي تجعل هذا الزواج قراراً أسرياً ذا منطق معيشي لا ظلاماً ثقافياً خالصاً. والفارق دقيق لكنه جوهري: بين من يُشخّص المشكلة من الخارج انطلاقاً من قيم مُكتسبة، وبين من يعيشها ويملك وحده مفاتيح سياقها الحقيقي. وهو بالضبط الفارق الذي تقوم عليه أطروحة زكريا.
بل يمكن القول إن الحالة المصرية تُعقّد أطروحة الكتاب وتُثريها معاً. فزكريا تستند ضمنياً إلى تعارض جغرافي وعرقي واضح الحدود: غرب وجنوب، بياض وسمرة. أما في مصر فالخط الفاصل يمر بداخل العرق والدين والثقافة الواحدة، مما يعني أن “البياض” الذي تنقده زكريا ليس مجرد لون أو أصل بل هو على الأدق موقع طبقي وثقافي يُنتج علاقة بعينها بالمعرفة وبحق التسمية؛ حق تسمية المشكلة، وحق اختيار الحل، وحق الصمت أيضاً. وحين تتكلم نسوية القاهرة باسم الفلاحة الصعيدية دون أن تمنحها الميكروفون، فإنها تُعيد إنتاج البنية ذاتها التي تكتب ضدها على المستوى الدولي؛ وهو التناقض الذي لم تُفصح عنه بما يكفي حركةٌ نسوية عربية في أشد حاجتها إلى نقد داخلي أمين.
لا يخرج القارئ المدقق من هذا الكتاب دون تحفظات جوهرية. أولها أن زكريا تُعلن في عنوانها خطاباً تفكيكياً جذرياً -“ضد” النسوية البيضاء- لكن توصياتها الختامية تقع في دائرة الإصلاح من الداخل، إذ تدعو النسويات البيضاء إلى مراجعة امتيازاتهن والانخراط في العمل المتضامن، وهو مسار مشروع لكنه أقل كثيراً من هدم البنى التي يعد به العنوان. وثانيها أن الكتاب، رغم اعترافه بأن المرأة التي تُكتب عنها النسوية وتُصنع بحسابها سياسياً هي بطبيعتها بيضاء ومن الطبقة الوسطى العليا، لا يعالج بالكفاية الآليةَ الهيكلية التي تجعل هذا الاحتكار يتجدد حتى حين يتوفر الوعي به؛ فالوعي بالامتياز لا يكفي وحده لإعادة توزيعه. وثالث التحفظات أن البناء الحجاجي للكتاب يتفاوت تفاوتاً لافتاً: بعض فصوله يجمع بين السرد الشخصي المُقنع والتحليل التاريخي الرصين في مزيج يُعلي قيمة الحجة ويقرّبها من القارئ غير المتخصص، بينما تتراخى فصول أخرى في لغة أكاديمية مفرطة تضرّ بانسيابية الأطروحة. وهذا التفاوت ليس تفصيلاً أسلوبياً فحسب، بل هو عارض يُشير إلى تردد حقيقي في الكتاب بين أن يكون خطاباً تأسيسياً جماهيرياً أو دراسةً أكاديمية متخصصة.
“ضد النسوية البيضاء” ورقة احتجاج مشحونة بالأدلة، مكتوبة بشجاعة أدبية واضحة، ومن موقع شخصي نادر الوصول في سوق الكتابة النسوية الغربية. وقيمتها الأصيلة أنها تُجبر الحركة على مواجهة نقيضها الداخلي: ليس العدو الذكوري في الخارج، بل البنية الانتقائية التي تُقرر من يستحق التحرر ومن يُقبل في صفوف المُحرِّرات. أما ما يُؤخذ عليها فهو في جوهره تناقض الطموح والأداة: إن كانت النسوية البيضاء بنيةً استعمارية بالمعنى الحقيقي للكلمة، فإن مطالبة أصحابها بمراجعة امتيازاتهم طوعاً يُشبه أن تطلب من الاستعمار أن يُصلح نفسه بنفسه. وهذا التناقض ليس عيباً في الكتاب وحده، بل هو الأفق المسدود الذي يصطدم به كل تفكير نقدي يرفض القطيعة ويتمسك بالإصلاح.
أودّ في ختام هذه القراءة أن أُقرّ بشيء لا تسمح به عادةً تقاليد الكتابة النقدية المتحفظة: هذا الكتاب أربكني بالمعنى الجيد للكلمة. وصاحبته رافيا زكريا -في جرأتها على تفكيك البيت من الداخل، وفي ذلك الإصرار الهادئ الذي تكتب به دون أن تستجدي تصديقاً أو تلتمس اعتذاراً- نموذج نادر لمثقفة تعرف أين تقف ولا تعتذر عن وقوفها.
غير أن ما يشغلني أكثر من الكتاب ذاته هو السؤال الذي يتركه معلقاً: متى تمارس الحركة النسوية العربية، وفي مصر تحديداً، هذا النقد الذاتي الذي تطالب به رافيا زكريا الغرب؟ فنحن أمام حركة تعاني من تعدد الانقسامات المتداخلة: المرأة المدينية في مواجهة ابنة القرية، والمتحررة في مواجهة المحجبة، والغير متدينة في مواجهة المتدينة؛ وكل طرف يُدّعى أنه يتكلم باسم المرأة ويمثل قضيتها. وفي ظل هذا التشظي لا تصدر مساءلة حقيقية لسؤال بسيط: من أعطى أيّاً منهن تفويضاً بتمثيل الأخريات؟
أتمنى -وهذه أمنية من يقرأ ويراقب لا من يأمر ويُشرّع- أن تجد الحركة النسوية المصرية شجاعة زكريا الداخلية، فتنظر في مرآتها وتسأل: هل نحن نتكلم عن المرأة أم نتكلم بدلاً عنها؟ والفرق بين الحالتين هو بالضبط ما يفصل حركةً حقيقية عن خطاب يُزيّن أصحابه.

