ناي في التخت الغربي
الكاتبة :ريما بالي
في رواية ناي في التخت الغربي تمتزج الحكايات الشخصية بوجع التاريخ، وتتحول رحلة امرأة واحدة إلى مرآة لسنوات من الغربة والخوف والأسئلة المؤجلة.
تبدأ الأحداث من ناي، الفتاة الحلبية التي دفعتها الحرب إلى اللجوء، لتجد نفسها عالقة بين ماضٍ لم يغادرها وحياة جديدة تبدو أقل استقراراً مما تخيلت. وبين الحب والخذلان، و الذاكرة والواقع، تدخل عالماً مليئاً بالأسرار والعلاقات المعقدة والوجوه التي تخفي أكثر مما تُظهر.
الرواية لا تسرد حكاية لجوء فقط، بل تغوص في جذور العائلة والهوية، متنقلة بين حلب وأوروبا، وبين الحاضر وعصور قديمة تختبئ فيها آثار الحروب والمنفى والاقتلاع. وكلما تقدمت الصفحات، تتشابك مصائر الشخصيات أكثر، وتصبح الحدود بين الحقيقة والوهم، والثقة والخداع، أكثر ضبابية.
ومن أكثر المشاهد تشويقاً في الرواية ذلك الانتظار الطويل لحقيبة ناي التي تحتوي أشياء صغيرة تختزن حياة كاملة وذكريات وعلاقات انتهت قبل أن تجد خاتمتها.
تعود ناي لاحقاً إلى حلب المدمرة بعد استعادة النظام السيطرة عليها، لتواجه مدينة لم تعد تشبه ذاكرتها القديمة ،مدينة تنقصها الحياة ويغمرها الخراب والصمت. ومع ذلك تحاول البدء من جديد، فتفتح الصالون الذي كان مكتبة، وتخرج الكتب المخزنة في الكراتين وكأنها تحررها من سجن طويل، في مشهد يحمل كثيراً من الرمزية والأمل الحذر وسط الركام.
الرواية تغوص أيضاً في الجانب النفسي العميق فنرى ناي تتحاور مع طيف والدها الذي رحل منذ سنوات، وكأنها تبحث وسط الخراب عن سند أخير أو عن نسخة قديمة من نفسها لم تمت بالكامل بعد. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى رحلة داخل الذاكرة والروح، لا مجرد حكاية حرب أو حب أو لجوء.
كما تناولت الكاتبة حكاية سيسيل التي تجري أبحاثاً لتؤلف كتابها فتجري فحوصات تظهر أصلها المتفرع عن أعراق وديانات مختلفة، وتثبت أن أغلب البشر يحملون في دمائهم جينات لأعراق مختلفة فلا وجود لعرق صافي ،فتعود بنا لعصور مضت وحكايات مع أجدادها وأسلافها ومن تعرض منهم للطرد أو للتعذيب تحت أيدي محاكم التفتيش.
ما يميز العمل هو أسلوبه الإنساني القريب من القلب ،شخصياته ليست مثالية، بل حقيقية ومليئة بالتناقضات، لذلك يبدو ألمها صادقاً وحبها هشّاً وخياراتها قاسية أحياناً. كما ينجح السرد في خلق تشويق هادئ يجعل القارئ يشعر بأن خلف كل حدث سراً أكبر ينتظر الانكشاف.
هذه الرواية ليست مجرد قصة حب أو رواية سياسية، بل رحلة طويلة داخل النفس البشرية، عن الغربة، والانتماء، والخوف من الفقد، ومحاولات النجاة في عالم يتغير بسرعة ويترك أرواح الناس معلقة بين الأمس والمجهول.
اقتباسات راقت لي:
❞ غيَّرتني الحرب؟ غيّرتني الهجرة؟ أم غيّرني شوقي إلى ذلك الرجل الآخر؟ هل فقدت نفسي أم للتو وجدتها، وإن كنت قد وجدتها فما هذا الضياع الذي يسكنني؟ هذا القلق وهذا الفراغ، هذه الخفة التي تجعلني أترنّح، كأنني أُفرغت من ذاتي، ولم أمتلئ بعد بذات أخرى. ❝
الخلاصة… ليس هناك عرق صاف! والهُويّة ❝
هي قشرة واهية لمزيج كثيف مهجّن ومتراكم عبر العصور. كلّ واحد من البشر يخفي تحت جلده البشر جميعًا… وما العنصرية إلّا إقصاء للآخر لإدانته بجرم نحمله في خلايانا. ❝
❞ يظنّ الكبار أنَّ الأطفال لا يعرفون شيئًا، لكنهم في الحقيقة هم الذين لا يعرفون. الأطفال هم خزّان معلومات، هم الصندوق الأسود لكلّ بيت، والمعلومة التي تدخل ذلك الصندوق لا تضيع أبدًا. ❝
❞ فالعرق لا يعبّر عن هوية الإنسان، إنما تكمن الهوية في التفاصيل، وفي القصص، وتكمن في من نعاشر من بشر وكيف ننجو من كراهيتهم. ❝
❞ العالم الافتراضي الذي يختصر الناس إلى سطور وصور وأحيانًا ملفّات! يقول حقائق عنهم لا تنصف حقيقتهم، حتى الحقيقة، تبدو كاذبة إن جُرّدت من الروح. ❝
❞ - تلك السعادة الوهمية لا قيمة لها في ميزان الحياة، أنت مدعوة لاكتشاف الحقيقة، والاكتشاف سعادة بحدّ ذاته. تلك الحقيقة يجب أن تحاربي لتناليها، فهناك من يضع السدود بينك وبينها، وهناك من جنّد جيشًا ليسلبك إياها بمجرّد أن تلوح في أفقك الحرّ المفتوح. ❝
❞ لا وجود لكتب ميتة… من قال إنّ الكتب تموت؟ يزول البشر، تُهدَم البلاد، لكنّ الكتب لا تموت، هي أرواح لا تفنى وأفكار لا يطالها قتل ولا إلغاء، ولو حبستها في ألف صندوق. ❝
❞ أوجعت قلبي تلك الطيور، وذكّرتني بكلّ هؤلاء الذين يفرّون فرحين من بلادهم المظلمة بأجنحتهم المتكسّرة، ظنًا منهم أنّ سماءً جديدة تفتح صدرها بانتظارهم، غافلين عن الطلقات التي تنتظرهم فيها لتفتّت أرواحهم، والهررة المفترسة التي تنتظر سقوطهم، والأصابع الخفية التي تريد أن تعيدهم إلى علبهم وظلامهم. ❝
#أبجد
#ناي_في_التخت_الغربي
#نجم_الأسبوع
#ريما_بالي

