أن تقتل طائراً بريئاً > مراجعات رواية أن تقتل طائراً بريئاً > مراجعة I Rudyior

أن تقتل طائراً بريئاً - هاربر لي
تحميل الكتاب

أن تقتل طائراً بريئاً

تأليف (تأليف) 4.6
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
5

لا تقتل عصفورا ساخرًا.. لم أمر على أي رأي عن الرواية ولا أعلم كيف تصوّر الناس حولها وسياقهم في فهمها ولم اقرأها حتى عن توصية، بل كانت تجربة عشوائية في ظل بحثي عن أي كتاب اقرأه حتى لُفت بهذا العنوان وبدأت به، وقد كانت من أعذب واحن ما قرأت، عشت معها تجربة خاصة فريدة لامست قلبي برقة حتى أحسست اني جزء منها.

تبدأ الرواية من منظور طفلة تبلغ من العمر ستة سنين، لنعيش معها رحلة من الحنين تعيدنا بالذكريات إلى أيام صِبانا، فتجدها مع أخيها تمرح وتلعب وترنو وتذهب هنا وهناك، وتعيش تجاربها في الحياة بالصورة النقية والبريئة التي لأجلها كان الإنسان وكنا قد نسيناها في ظل الهموم والمشاغل وماديات الحياة. وقد تكون الفكرة من هذا المنظور في زمن سابق هو شيء عادي؛ لكن عندما نتحدث عن ما نعاصره اليوم فهذه القصة هي بمثابة نداء وصرخة لذلك الشعور الذي دفن في دواخلنا، الشعور التي تعيشه بطلة القصة سكاوت في خوض التجربة لأول مرة، تجربة تعلم مصطلح جديد، لعب لعبة جديدة، استكشاف أناس جدد، معارف جديدة، هوايات جديدة، تناول اطباق جديدة، مشاكل وحلول جديدة، حياة مليئة بالاكتشاف والتجدد والمشاعر الحقيقية، لا ما نعيشه اليوم من فتور وجمود، مما جعلني أقف وقفة صادقة مع نفسي واتساءل عن كل ما اعيشه اليوم من حياة.. وتستمر تجاربها هي واخيها جم الأكبر منها بسنتين بالتشييق، والتطور، وتبدل الآراء، والاحكام، وتغير منظورهم حول كل شيء حتى يكبرون في رتم قصصي متناسق ولذيذ جدا.

اما عن الجهة الأخرى وهي حياة البالغين، ففي البداية تراها في الغالب من منظور الأطفال حتى تتقدم في القصة لتجد ان هذا الأسلوب يقل مع الوقت وترى الحياة من منظور البالغين أنفسهم بعدما تلذذت بالأطفال، وكان هذا الأسلوب العبقري مؤثر ومحرك قوي في سير القصة فتجعلك جامع المنظورين لتكوين صورة جديدة، ملامسًا لأفكار والآثار من كلتا المنظورين ومنها الذي يُقدم في التأثير على الأطفال. وأحد الشخصيات المحورية من هؤلاء البالغين هو الأب اتيكوس، وهو محامي معروف في البلدة وله سمعته الطيبة، وحذاقته في الفكر. وهو محور أساسي في بناء شخصيات ابناءه سكاوت وجم، مما يجعلك تعي أن لديه اسلوب خاص في التربية وقد كان هذا أحد أهم مواضيع الرواية، لأن اسلوبه الخاص جعله في حالة نفور من عائلته وخاصة أخته، على سبيل المثال كانت اخته تريده أن يربي ابناءه على الأعراف والتقاليد ووضع مكانة لكل شخص حسب عائلته وعرقه او علمه وماله. إلا أن اتيكوس كان رافضا لهذا الشيء مما جعل البيئة التي خلقها لأطفاله بيئة نقية حرة جعلت من الأطفال نوابغ ومنصفين في الفكر بعيدا عن المحدودية، ومن يركز طيلة القصة في هذه الفكرة سيستشعرها بقوة.

غير انك سترى كيف تتطور الفكرة بصراعات اتيكوس مع نفسه احيانا ضد الأفكار التي من اخته وغيرها، فتارة يحس بالشك من اسلوبه وتارة يكون صارما به، وهذا السبب يعود لحقيقة انه فقد زوجته بشكل مبكر فليس عنده من امرأة عاقلة يستشيرها في أمر التربية ويهمها الأطفال مثل زوجته، وهذه التفاصيل الصغيرة حقا تجعل من الرواية تحفة وهي حقيقةً ما جعلتني اندمج. وبه طرفات عجيبة مع اطفاله فعندما يسألونه يعطيهم الإجابات بصورتها الحقيقية دون تجميل، فكان الحقيقة الوحيدة بالنسبة لهم في عالم مليء بالعنصرية، وعندما يكلمهم يحادثهم وكأنهم بالغين ويتكلم بمصطلحات قانونية اعتاد الكلام بها في القضايا وعمله، فيتعلمونها الأطفال فيما بعد ثم يتكلمون بها بشكل مضحك، وهذا قد يفهمك شيء بسيط من عقلية اتيكوس في التربية.

وأما عن عالم الراوية.. فتحكى القصة في القرن التاسع عشر في امريكا ولاية الاباما ببلدة خيالية صغيرة تدعى مايكوم، حيث يُخيّل لك بوصفها في البداية انها بلدة هادئة لطيفة وجميلة، والكل في الكل وليس هنالك غريب، إلا أنها في الحقيقة هي تصوّر أمريكا بالكامل وكل فئة منها، فالناس هناك على طبقات كما كانت امريكا، فنجد المتعلمين، والعاملين، واصحاب الصراعات الذين يحاربون لأرائهم، وآخرون من ذوي الحياة الحيوانية، وذكرٌ للهنود الحمر، والسود المضطهدين وغيرهم.. مشكّلين جميعا الصورة الأمريكية التي نعرفها، فكانت هذه أول رمزية في الرواية والتي شكلت فيما بعد الصورة الكاملة لها. إذ إن البلدة هي تصوير لأمريكا بقضاياها وحلوها ومرها، ومن هذه البيئة كان اتيكوس هو المحامي الذي جسد البطولة الامريكية مُقدما لحل هذه القضايا مجسدًا لشكل جديد من مفاهيم البطولة -تخيل كأنك ترى معالجة لقصة سوبرمان بشكل واقعي-، وكانوا أطفاله بمثابة صوته الإنساني الذي قد لا يقوى على الكلام به أمام الناس.

ولن افصّل في مواضيع قضايا الرواية فقبلي الكثير من تكلم عنها، لكن حبذا ان أشير إلى نقطة مهمة حول سود أمريكا حتى تتذوق القيم في القصة، اذا ما امعنّا النظر في حال أمريكا اليوم فهي صاحبة اكبر تنوع ثقافي على وجه الأرض، واكثر البلاد غزارةً في العلم والصناعة والادب وكذلك الاقتصاد. ترى هذا الكلام وتجده واقعي طبيعي لا إشكال فيه، إلا انك اذا ما حاولت مطابقته على الماضي المليء بالصراعات ايًا كانت تجد عدم وجود المنطقية في حالهم اليوم.

هذا كله لأجل أن تعلم الفارق بين الدفاع لقضية مبنية على حق وإن كانت خاسرة، على قضية مبنية على باطل وإن كانت فائزة. فأنا املك نظرة خاصة وقد تكون مبالغة وهي ان السود وقضيتهم في امريكا شكّلت العالم الامريكي على صورته اليوم، وشكّلت عالم الفن والفكر على العالم أجمع. لأن أكثر ثوراتهم كانت ثورات فكرية فنية لا عدائية حربية، فكان نتيجة ذلك واثره على الواقع أنه لامس القلوب فغيرها! حتى أني لا أنسى تعليق لأسيوي في أحد الانشودات الشعبية من المجتمع الأسود الأمريكي، علق وقال فيه " بصفتي اسيويا امريكيا.. يستحيل علي ان أنسى فضل السود فلولاهم ولولا نضالهم المستمر لما كان لأي منا نحن الأقليات التمتع بنفس القدر من الحقوق" وهذا يجعلنا نعرف حق المعرفة على أن السود هم أساس الولايات المتحدة. ومن هنا ستفهم ماهذا التمسك العجيب عند اتيكوس بهذه القضية وكيف حارب لأجلها، جاعلًا منك مستشعرا حقيقيا بالتفاصيل الصغيرة وأثرها على الفكر والقلوب، ويكفي حكاية الجارة السيدة دوبوز والتي كانت مثالا عبقريا وعمليا وأساسًا في تقديم جميع هذه الأفكار في الرواية.

لا تقتل عصفورًا ساخرًا!

"تذكر يا بني أن قتل العصفور الساخر خطيئة" من هذه المقولة تتجسد حقيقة القصة وتيارها الفكري بالكامل، فكانت جملته بالنسبة لأبناءه أنهم اول مرة يسمعون كلامًا بهذا الشكل من ابيهم.. لكن لماذا؟

"والدك على حق، فالعصافير الساخرة لا تفعل شيئاً سوى أنها تعز لنا الموسيقى لنستمتع بها، إنها لا تأكل حدائق الناس، ولا تعشعش في إهرارات الذرة، ولا تفعل شيئاً سوى أنها تغني حتى تفتّي قلوبها من أجلنا. لذا فإن قتل العصفور الساخر خطيئة."

ما يلفتني في الكلاسيكيات الغربية هو حبهم في الترميز وهذا الشيء يمتاز اسلوبهم به أكثر من غيرهم - الجميع يستعمل اسلوب الترميز حتى العرب قديما إلا أنه ليس بقدرهم - ، جاعلًا منك في حالة ترقب للمعاني الخفية، خائضًا في بناء الصورة الكاملة، وموسعًا إدراكك بالكامل، وعلى كثرة الرموز في هذه الرواية فقد كان عنوانها هو ما يمثل الجزء الرئيسي من الرمزيات، ومن هذا الحوار تتجلى حقيقة هذه الرمزية التي كانت الأساس لكل حكاية. تارةً تجد العصفور يتجلى على صورة شخص، او مكانٍ ومعنى، او قضية، وحتى شعور.. وحينًا تجده يتجلى على صورة الإنسانية. ويمضي العصفور في رحلتك حتى تكاد ان تسمع زقزقته وصفيره في كل حكاية ليذكرك بوجوده، ومن ثم تبدأ بملامسته في واقعك.. كم من عصفور ساخر قُتل منّا ومن عالمنا؟

ملاحظة : قرأتها بترجمة توفيق الأسدي وانصح بها.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق