وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئبٍ
وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضاً عَيانا
ولكن لا ...حتى الذئب يأكل لحم الذئب ..وايضا الإبل تهاجم وتنهش رعاتها ...والماعز والبقر ....والنوارس التي ارتبط صوتها بالبحر والصيف والرومنسية فقدت صوابها وصارت تطارد رؤوس المصطفين على البحر وتهاجم رؤوسهم وتنهش عيونهم في محاجرها....والعقارب والحمير والبغال ...وفي مقدمتها الإنسان....كل اولئك ياكلون بعضهم بعضا.
هذا هو العالم الدستيوبي الذي خلقته الكاتبة المصرية الأديبة الحديدية الاستاذة شيرين هنائي ....في روايتها الرائعة النهش....وهي الرواية التي اتنبأ لها إن شاء الله ان تصل القائمة الطويلة لجائزة البوكر .....والقصيرة ايضا وبكل جدارة...
تتحدث رواية النهش بكل بساطة عن النهش...النهش الظاهر كقصة رعب مخيفة ...في مجتمع بدوي صحراوي ...تهيج فيه الدواب لسبب لا يعرف احد كهنه فتهاجم البشر لتنهش لحمهم...ثم تتصاعد وتيرة الاحداث لنجد البشر نفسهم قد تحولوا إلى وحوش ينهش بعضهم بعضا ...
اما النهش المجازي ...فهو ما نعيشه نحن الآن في مجتمعاتنا التي تدعي الرقي والإنسانية...وحين اختبرها الرب بما حل في غزة...اظهرت حقيقة الكائن البشري ...الذي يستلذ بنهش اخيه الإنسان ..راينا كيف نهش اليهود غزة بمباركة امريكيا التي وقفت تدافع عن هذا الكائن المسخ وهو يمزق اجساد الاطفال في غزة بين انياب آلياته العسكرية المتقدمة...بينما اكتفى العرب بنهش بعضهم بالاتهامات...وسنوا اسنانهم على إيران وحزب الله واليمن يريدون ممارسة دورهم بالنهش.
وهكذا فإننا ننهش بعضنا ولا نشبع من النهش.
نعود للرواية
رواية النهش تحكي عن ثلاث ابطال رئيسيين
صوفيا الكاتبة
ياسر المهندس
ومكيل الرجل الافريقي الغامض
ويعيش كل بطل قصته مع النهش
صوفيا كاتبة خمسينية تبحث عن المجد من خلال رواية تكتبها تنال فيها جائزة أدبية وهو الصراع الظاهر لكن الصراع الخفي هو صراعها مع المجتمع الذي يتدخل في تفاصيل حياتها ويعاديها لكونها كاتبة امراة ...وينتظر اول سقوط لها لينقض عليها وينهشها .....تصارع صوفيا هذا المجتمع بثبات من خلال كل بث ترسله على شبكة التواصل الاجتماعي.
لكنها هشة مضطربة من الداخل ...تصارع نفسها ايضا فهي تظن نفسها خاطئة ....هي لا تسجد في الصلاة بل تضع خدها على الارض متوسلة الخالق أن ينجدها.
هكذا تجد نفسها في صراع النهش الظاهر ...وتجد فريق الكتاب الذين يشاركونها المخيم الإبداعي قد تحولوا إلى فرائس تفر من المفترسين الظاهرين وهي النوارس المسعورة
ومن المفترسين الخفيين وهم القراء.
لكن قصة المهندس ياسر هي قصة كل شاب طموح ترك المدينة وهرب إلى الصحراء طالبا الرزق ......لكنه يجد نفسه في حلقة مغلقة من اعتداء الإبل المفترسة التي تحاول نهش كل من حضر ذلك العرس البدوي ....
ياسر هرب من نهش المدينة ليجد نفسه فريسة لنهش اخر في الصحراء.....ماذا عن صراعه الازلي مع كينونته من هو وماذا يريد ولماذا يحدث معه كل ذلك....
يظهر في المشهد الكلب الصغير الأجرب الذي يرافق المهندس ياسر والذي سماه حواوشي وهو يعكس النظرة التشاؤمية للمهندس الذي يتنبأ لهذا الكلب المسكين بنهاية مأساوية إنه مهما عاش فسينتهي به المطاف بأن يفرم لحمه ويقدم كطبق حواوشي ياكله عابر سبيل غشيم....وهو تنبؤ للنهش قبل الاوان.
ثم نأتي لاكثر الشخصيات تعقيدا ميكيل او ميكائيل هو الرجل الذي يوجد في اللامكان فلا احد يعرف من اين جاء ولا اين سيروح وما الغاية من وجوده ...هل الإنسان بلا وطن له اي قيمة ...وهل يحتاج الإنسان لوطن حتى يكون إنسان
وهنا التجريد الصريح لمفهوم الإنسانية...
انت لا تحتاج الى اي شيء اخر حتى تكون انسان
وهذا يسقط كل ذرائعنا ...امام الحرب في غزة .....
هل نحن ننتمي لجنس البشر وهل سنبقى محتفظين بلقب انسان بعد تخلينا عن اولئك الذين ماتوا جوعا امام اعيننا
راينا دمهم يختلط بالطحين ...ثم صرفنا انظارنا عنهم
ولبسنا قناع الإنسانية وهو ما لم يفعله ميكيل ...الشاب الاسمر الذي ظل يدافع عن إنسانيته في وسط كل هذا النهش.
الرواية جميلة ورائعة لانها تجردنا تعرينا ...وتكشف من نحن ......حقيقة الاستاذة شيرين هنائي..تفاجئنا في كل عمل جديد لها ...فهي بحر لا ينضب من الافكار المبهرة..
وكتلة مشتعلة من النشاط .....اتمنى ان تتوج جهودها بجائزة تجعل العالم كله يعرف ان هناك كاتبة عبقرية تكتبنا بكل صدق ...وتقدمنا لانفسنا بكل احترافية.
د.علي الخرشه

