الحياة داخل صندوق : ثلاثية حفل المئوية - الجزء الأول > مراجعات رواية الحياة داخل صندوق : ثلاثية حفل المئوية - الجزء الأول > مراجعة Nasser Ellakany

هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
5

📚 🎭 ثلاثية حفل المئوية - رضوى الأسود

استمتعت بقراءة "ثلاثية حفل المئوية" للكاتبة المبدعة "رضوى الأسود"، التي عادت بنا إلى روح وطعم الأعمال الأدبية الكثيفة والثلاثيات الكبرى في تاريخ الأدب، حيث قدمت لنا ملحمة اجتماعية ونفسية، وطرحت علينا أسئلة فلسفية.

الجزء الأول.. 🔲 الحياة داخل صندوق

الجزء الثاني.. 📽 الرومانسية لا تلائم الأفلام الملونة

الجزء الثالث.. 🚢 مرفأ أخير

أقدم هنا ثلاثة مزوج للقراءة عن ثلاثة أوجه لهذه الثلاثية، المزج الأول عن قصص فتيات الثلاثية وتطورها عبر الأجزاء ويستعرض وجه الواقعية الاجتماعية والتداولية النفسية للثلاثية، والثاني عن الجماليات الأدبية بأجزاء الثلاثية ويستعرض بعض الأدوات والتقنيات المستخدمة في كل جزء، والثالث عن الأبعاد الفكرية والمعرفية ويستعرض الأرضية الفلسفية الواسعة والقابعة وراء هذا العمل الأدبي الكبير.

🫟 مزج أول 🎨

ست قصص لحيوات ست فتيات، ستة نماذج ربما نجد فيها كل حكايات الدنيا، الحب والكراهية، الرغبة والنفور، القدرة والقصور، الثقة والريبة، القوة والوهن، الاهتمام والتجاهل، النجاح والفشل، الإخلاص والخيانة، السعادة والشقاء.

الجزء الأول يعرض الحيوات الست لفتيات الثلاثية داخل صناديقها، ويصل بهن إلى يوم حفل المئوية، والجزء الثاني يبين كيف تحولت مسارات الحياة بهن وتشابكت دروبها معهن بعد أحداث ذلك اليوم، والجزء الثالث يستطرد وراء المآلات ويختبر المعاني، ويحاول أن يصل بالحكايات إلى نهايات نظن أنها سعيدة، بعد تلك الرحلة الطويلة المنهكة والملهمة.

بين حكايات الجزء الأول، وانجرافات الجزء الثاني، وتأملات الجزء الثالث، مضت الحياة مع فتياتنا الست؛ رانيا ومريم ونُسَيلَة ودينا وجَوَى وأروى.

يبدأ الجزء الأول عندما انتهت أيام العزاء الثلاثة، ووجدت الابنة "نادية" رواية أمها الراحلة. راحت تقرأ المقدمة المكتوبة حديثًا لهذه الرواية، رواية تضم شخصيات ست وحكايات ست، ربما تظن الابنة أن أمها كانت إحداهن:

❞ «أَعلَمُ أنك ستفتشين عني بين شخوصِ هذه الرواية، فربما كنت إحداهُنَّ، وربما نَثَرت أجزاء مِن روحي فوقَهُنَّ، وربما نأيت من الأصلِ عن الوجودِ بينَهُنَّ، فلا تُضني نَفسكِ بالبحثِ عني طويلًا، ولا تَشغَلي بالكِ بما لو علمتِه، لرُبما يسوؤكِ!». ❝

نمضي في قراءة قصص هؤلاء الفتيات أو النساء، جمعت بينهن الكتابة، كتابة اليوميات، أو الخواطر والأشعار، أو السطور والكلمات، كتابة النصوص، وكما بدأت قصة نادية من قصة أمها، أيضًا قصص فتيات الرواية بدأت من قصص أمهاتهن، ومضت تكشف كيف سارت بهن الحياة.

✉️ كل واحدة منهن يصلها خطاب دعوة لحضور الحفل المئوي لإنشاء مدرستهن.

بعد ليلة حفل المئوية، تأخذ نادية الزمام، وتمضي بشخصيات الثلاثية بعد أن قررت أن تخرج حيواتهن من صناديقها، تحاول ترويض الشخصيات وإخضاعهن، تنطلق بهن في دروب الحياة، والقارئ يلهث وراءهن جميعًا، طوال أجزاء الثلاثية.

نلقي سريعًا نظرة خاطفة على فتياتنا الست:

📦 〽️ ⚓️ رانيا

أن تعيش امرأة فاقدةً للثقة في نفسها وفي الحياة، تحمل على كتفيها خلفيتها الاجتماعية، وملامحها الجسدية، وآلامها النفسية، كلما لاح لها أمل ضيعته الأيام، في النهاية يتحول الألم إلى عنف لا محدود، لكنها ظلت تبحث عن الجمال:

❞ بدأَت تكتشِفُ أن هناك جمالًا ينبُع من الداخل يفوق أعظم قصة حب، وأنجح عمليَّة تجميل! ❝

📦 〽️ ⚓️ مريم

أن تظن امرأة أنه يكفي أن تتحمل متاعب وقسوة الحياة، كي تتركها الحياة تعيشها بهدوء من دون صخب، كانت تحاول أن تتجنب غدر الأيام، وأن تحيا في سلام، في النهاية تُجبِر غريمتها على التنازل:

❞ تنازَلَت عنه فِداء لحياتِها، وتَوَقِّيًا لكارثةٍ مُقبِلة توقَّعَت قُدرَة مريم على إبداعها كإله إغريقيّ يَعتَلي جَبَل الأوليمب ويَمتَلِك القُدرَة على دمارِ الأرض. ❝

📦 〽️ ⚓️ نُسَيلَة

أن تحيا امرأة ببوهيمية لتواجه عَبَثيَّة الوجود، تصيبها الأيام بجرح غائر، تستسلم للوهم الذي صنعته، وفي النهاية تدرك الحقيقة، وتعود إلى الحياة:

❞ تعود نُسَيلَة لمَنزِلِها بَعد قضاء أكثَر مِن ساعتين لدى مُصَفِّف الشَعر، وتُهَروِل نحو غُرفَة نومِها حيث الثوب الأزرَق السَمَاويّ عاري الصَدر مُعَلَّق فوق المِشجَب، تَنظُر إلى ساعتِها ثُمَّ تَرتَديه في عُجَالَة. ❝

📦 〽️ ⚓️ دينا

أن تنتقم امرأة من نفسها، وتصر على الذهاب إلى حتفها، وتعيش حياة بائسة خارج نفسها، تتوالى الصدف، مصارحة ومصالحة وزواج، ولكن في النهاية كل شيء كان كأنه يحدث لأول مرة.

❞ ‫ها هي تستحضر دينا القديمة ببخور الكلمات النافذة لعمق الروح، وبارتجاج العقل المنتفِض شبَقًا للمعرفة. ❝

📦 〽️ ⚓️ جَوَى

أن تستسلم امرأة للأقدار، تظن أن الحياة كتاب مغلق، يجب أن نعيشه كما هو، حتى بعد أن منحتها الحياة فرصة الحب الحقيقي وأضاعتها:

❞ احتاجت ربع قرنٍ مِن الزَمَنِ لتصحيحِ خطأ قاتل، غَلطَة كلَّفَتها أجمَل سَنَوَات عُمرها. تُرَى كَمْ مِن وقتٍ يَلزَمُنا لتصحيحِ أغلاطنا؟! وكَمْ مِن عُمرٍ فوق أعمارنا نحتاجُه لمحوِ خَطَايانا؟! ❝

📦 〽️ ⚓️ أروَى

أن تكتفي امرأة بقوتها وصلابتها، ترى أنها لا ينقصها شيء، تكتشف أنها لم تبكِ من قبل، تزرف كل الدموع التي حبستها طويلًا، لا تصدق أنها تخلت عن صلابتها، يخذلها رجل وتخذل رجل:

❞ أجبَرَتها الحياة على التَعَامُلِ بقناعٍ زائف لتحمي نفسها، أن ترتدي دِرع السُلَحفَاة الصَلبة، بينما هي مِن الداخِلِ برخاوةِ جَسَد الكائِن اللائِذ به. ❝

🔷️ هل كانت أم "نادية" واحدة منهن، أم لم تكن أيهن، أم أنها كانت كلهن، سؤال يفتح الباب أمام رؤية أخرى، فالجزء الأول من الثلاثية هو عرض الأم لهؤلاء الستة، والجزء الثاني هو عرض الابنة لنفس الستة، والجزء الثالث هو محاولة للفهم والتحليل، والوصول إلى أبعد نقطة في الوجود، إلى أعلى نقطة في الوعي وأدنى نقطة في اللاوعي.

يتواصل الجزء الثاني عندما كانت الابنة "نادية" غارقة في أحلام اليقظة، كانت قد نجحت في عملها، وأحبت ابنيها، وعاشت في بركة راكدة مع زوجها، سافرت لتقضي أجازة في سيوة، قابلت عمرو، اختلط الواقع بأحلام اليقظة، عادت وقررت الكتابة، فكرت أن تكمل قصص هؤلاء الفتيات الست، ولكن بطريقتها هي.

❞ «لن أكتب أمي. سأكتبني أنا». ❝

في البداية كنا نظن أن نادية قد نصبت نفسها إلهًا، بعد أن قرأت الجزء الأول الذي كتبته أمها، كتبت هي الجزئين الثاني والثالث، تُسقِط ظلها على الفتيات الست، تعبث بحيواتهن، وتهدر سنواتهن، وترسم أقدارهن، كنا نظن أنها تفعل بهن ما يحلو لها، قبل أن ندرك في النهاية أن الحياة هي التي عبثت بنادية، وأن السنوات هي التي أهدرتها، وأن الأقدار هي التي رسمت لها رحلة الشقاء والألم.

❞ رغبتها في إيصال رسالة تقول فيها أن الرومانسيَّة لم تعد النهاية المُثلى للأفلام الملونة، وأن ما كتبته أمها لا يعدو كونه رؤية ساذجة لواقعٍ مرعب. ❝

يأتي الجزء الثالث باستطرادات للأحداث والأفكار، وتأملات للنفوس والمعاني، واستكمالات للحكايات، بعد أن أتمت استبدال نفسها بأمها في نظرتها لشخصيات الرواية، واستبدال رائف بعمرو.

❞ تتعامل نادية في الجزء الثالث، وكأنَّ الشخصيَّات حقيقيَّة من لحمٍ ودمٍ، ليست افتراضيَّة، ليست ورقيَّة، ليست مِن صُنعِ قريحة كاتب. ❝

وهكذا كانت نادية تبحث عن أمها بين شخصيات الثلاثية، فأصبحت تبحث عن نفسها بينهن.

❞ كم تتغَيَّر شخصيَّة الفرد بمرور الزمن؛ تختلف قناعاته، تهتز مُسَلَّماته الراسخة، تتباين أولوياته، وكأن انهمار الوقت لا يُبَدِّل الملامح فقط، بل يُبَدِّل معها الأفكار والمبادئ والنظريات المُتبَنَّاة. ❝

🫟 مزج ثانٍ 🎨

استخدمت رضوى الأسود تقنيات بديعة ومتعددة ومختلفة بين أجزاء الثلاثية، في السرد والبناء والصوت والحبكة، الروايات الثلاث لا تحتوي فقط على الست قصص الأصلية لفتياتها، ولكن هناك قصة هائمة في الخلفية بُنيت عليها الثلاثية، ربما هي القصة الأصلية، قصة نادية، التي عرفناها منذ اللحظة الأولى من الجزء الأول، وظلت معنا على مدار الثلاثية.

🪏 تقنية بناء كل جزء

تنوعت تقنية البناء في الأجزاء الثلاثة، بين متوازيات سردية كبيرة، ثم سرد زجزاجي متردد ومتداوِل، ثم سرد تأملي يحاول تقديم تأصيل نوعي للحالة الإنسانية.

الجزء الأول عبارة عن متوازيات سردية في ستة فصول طويلة، واحد لكل فتاة من فتيات الثلاثية، تلتقي خطوطها في النهاية يوم حفل المئوية.

الجزء الثاني عبارة عن سرد زجزاجي بفصول قصيرة وكثيرة لفتيات الثلاثية تحت عناوين دالة، ويتكرر حضور وغياب الفتيات مع تدفق الفصول.

الجزء الثالث يأتي بتأصيل نوعي تقابلي، يتتبع الحالة الإنسانية ومآلات الحكايات، في ثلاثة فصول رئيسية، عن جدل الخذلان والاحتياج والحضور (الخَاذِل والمَخْذُول، والحاجة والاستغناء، وداخل الصورة وخارجها).

كان لهذا التنوع في البناء الروائي أثره في تأكيد البناء النفسي لشخصيات الثلاثية، وكذا ساهم في تشكيل نمط الاستجابة المعرفية لدى القارئ.

✨️ الصوت والراوي

مع اللغة المتأملة العذبة التي استخدمتها رضوى الأسود، استخدمت أيضًا راوٍ متعدد، ربما بدا أن الراوي العليم هو من قدم كل شيء في الثلاثية بمحتوياتها المتنوعة.

إن دققنا النظر قليلًا، سيمكننا تمييز اختلافات اللغة والوعي بين راوي رواية الأم، وراوي روايتي نادية، وراوي أجزاء الثلاثية ذاتها، يبدو أنهم ثلاثة رواة، ربما كان الأمر هنا متداخل مع تقنية الميتافيكشن المستخدمة في هذه الثلاثية.

📥 ميتافيكشن متعدد الأوجه والطبقات

الميتافيكشن أو السرد الماورائي هو نوع من الكتابة السردية يعكس ذاته، حيث يعلق النص على نفسه وعلى طريقة سرده و هويته. بمعنى آخر، النص يمتلك وعيًا ذاتيًا يكسر الحاجز بين الواقع والخيال، ويشير إلى كونه عملًا تخيليًا.

من البداية تُسقِط رضوى الأسود الحائط الرابع، تحدث القارئ داخل الروايات عن رواية كتبتها الأم، وروايتين كتبتهما الابنة، والقارئ يعلم ويعي ويقبل ويشارك خطوة بخطوة في بناء الثلاثية.

أحيانًا يبدو الأمر كما لو الراوي كان يناقش نادية والقارئ معًا في أحوال الفتيات، وفي مدى قُرب أو بُعد الشخصيات عن شخصية الأم، وفي تطور شخصية نادية.

تصل الأمور إلى ذروتها في بداية الجزء الثالث، عندما كانت نادية تراجع الجزء الثاني قبل النشر، وتتفق على تحويل الجزء الأول إلى مسلسل تليفزيوني، وتشرع في كتابة الجزء الثالث.

ياله من سحر مثير وإبداع فاتن.

🫟 مزج ثالث 🎨

هذه الثلاثية هي عن المعنى والصيرورة، وعن الحياة والجدوى، وعن الرغبة والقدرة، وعن الجبر والاختيار، وعن الحتمية وحرية الإرادة، أين ينتهي الاختيار ويبدأ الجبر؟، عند أي نقطة من مسارات الحياة؟، هل هناك اختيار أصلًا؟.

ربما نظن أنه عند كل نقطة تَفَرُّع في حياتنا يكون هناك خيارين أو أكثر، لكن دائمًا هناك أفكار مُسبقة ومُعَلبة تملأ رؤوسنا، طافت بالروايات الثلاث مقاطع بديعة عن العقل والتفكير الديني، كانت تطل علينا بين الحين والآخر لتضبط لنا إيقاعنا المعرفي في تناغم بديع.

اتسمت أجزاء الثلاثية بثلاث سمات واضحة بالترتيب، أولها الصندقة في سرديات تبدو متماسكة، وثانيها تفكيك الصناديق وتداول الأفكار في تفاعلات تلك السرديات مع المعاني الحقيقية المدمجة فيها، وثالثها التحليل والفهم وضرورة التدخل بوعي لاستعادة المعاني المتسربة، تذكرت ثلاثيات فكرية وفلسفية عديدة.

🔭 تذكرت ما قاله الأنثربولوچي الكبير "چيمس فريزر" عن مراحل تطور الإنسان الثلاث في التاريخ، السحرية والدينية والعقلية، تلك النظرية التي طرحها في كتابة "الغصن الذهبي" وكتبه الأخرى.

🔭 وتذكرت ثلاثية الحالة الفلسفية المعاصرة، عن "الحداثة" بفرز سردياتها القديمة والجديدة، و"ما بعد الحداثة" بنقض كل السرديات، و"بعد ما بعد الحداثة" بمحاوله استعادة المعاني المفقودة واليقين الضائع.

هكذا فعلت رضوى الأسود في أجزاء ثلاثيتها، الأول عن السرديات في صناديقها، والثاني عن نقض تلك السرديات وتفكيكها، والثالث عن السعي لإيجاد المعنى واليقين وتجاوز العبث والعدمية.

مرة أخرى تؤكد رضوى الأسود مكانتها في عالمنا الأدبي، وتؤكد قدرتها الفائقة على تنويع ما تقدمه لنا من أعمال، وامتلاكها لذلك السحر الذي استطاعت به مزج المتعة الأدبية والفنية، مع المتعة الوجدانية والشعورية، مع المتعة العقلية والمعرفية، لصنع ذلك النسق الروائي الفاتن، ولخلق تلك الحالة الإبداعية الفريدة، والتي وضعتها هنا بين أيدينا.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق