تأتي بعض الكتب كهمسة أولى لا تحتاج إلى تمهيد؛ تمسّ القارئ منذ السطر الافتتاحي، وتستدرجه برهافة إلى عوالمها، حتى وإن كُتبت لليافعين. فهي، ببساطة، تُخاطب الإنسان فينا قبل أن تُخاطب العمر. ومن هذا الباب، تندرج رواية "ابنتي حبيبتي" التي تنجح في أن تجعل القارئ يعيش بين كلماتها، متتبعًا كل رسالة وكل بوحٍ أبويّ نابض بالمحبة والحنين.
تقوم الرواية على بناء إنساني مؤثر، يتمثل في سبع رسائل يتركها الأب لابنته، تصلها تباعًا في أعياد ميلادها، من سن الثانية عشرة حتى الثامنة عشرة. أبٌ اختار الغياب الجسدي قسرًا، بعدما واجه مرض السرطان، مفضّلًا أن يحمل ألمه وحده بعيدًا عنها، كي لا يثقل طفولتها بمشهد الفقد التدريجي. غير أن هذا الغياب، كما تكشف الرسائل، لم يكن يومًا غيابًا معنويًا؛ بل كان حضورًا ممتدًا، يتجلى في كلماتٍ أراد لها أن تكون سندًا ورفيقًا في رحلة نضوجها.
تغدو هذه الرسائل أكثر من مجرد وصايا؛ إنها محاولة حثيثة لإعادة تشكيل الأبوة عبر اللغة، حيث يرافق الأب ابنته عامًا بعد عام، يفسّر لها قراراته، ويمنحها خلاصة تجربته، وكأنه يجلس إلى جانبها وجهًا لوجه. وفي موازاة هذا البعد العاطفي، تفتح الرواية نافذة على ماضي الأب، كاشفة عن طفولة قاسية لم يخترها، إذ وُجد رضيعًا على قارعة الطريق، لتبدأ معاناته في دور الرعاية، حيث الحياة لا تقل وطأة عن انتظار النهاية الذي يعيشه لاحقًا.
وتتسع الرواية لتلامس قضية إنسانية شائكة، هي قضية الأطفال مجهولي النسب، الذين ينشأون في "قرى الأطفال" ضمن أسر بديلة، تجمعهم روابط إنسانية لا دموية. ورغم ما توفره هذه البيئة من احتواء نسبي، إلا أن النص لا يغفل التحديات القاسية التي تواجه هؤلاء الأطفال، سواء داخل تلك المؤسسات أو بعد عودتهم إلى أسرهم الأصلية في بعض الحالات، حيث يتحولون إلى أدوات للكسب القسري، أو ضحايا لنظرة اجتماعية قاسية تسلبهم أبسط حقوقهم في التعليم والحياة الكريمة والانتماء.
في نهاية المطاف، لا تبدو هذه الرسائل موجهة إلى الابنة وحدها، بل إلى القارئ أيضًا. إنها سيرة ألمٍ ونجاة، وحكاية أبٍ ابتكر وسيلته الخاصة ليظل حاضرًا في حياة ابنته، متحديًا الغياب والموت. رواية تحتفي، في جوهرها، بأسمى معاني التضحية الأبوية، وتطرح سؤالًا مؤثرًا: إلى أي مدى يمكن للحب أن يتجاوز حدود الحياة؟

