رواية حارس باب الوداع – تأليف منى عبد الوهاب
كُتبت هذه الرواية بحساسية شديدة وصدقٍ عميق، تنبع من صورة الطفلة العالقة في الذاكرة منذ زمن بعيد. روتها الكاتبة بأسلوب بسيط، راقٍ، وأصيل، ترك بصمته الخاصة والمختلفة عن بقية الكاتبات، بصمة لا تشبه سواها.
شدّني أسلوبها وأثار فضولي، وما تعلّقت به أكثر هو ذلك الانسياب اللغوي المرهف، والقدرة على اللعب بالكلمات التي أحببتها من شدّة سلاستها، ومن بصيرة قوية ومثيرة للجدل في آنٍ واحد. أسلوب يحمل عمقًا فكريًا دون تكلّف، ويغوص في مناطق حساسة بجرأة واعية.
تأتي فكرة الرواية مختلفة ورهيبة في آن، إذ تتناول عالم الأجنّة وما يرافقه من تحوّلات اجتماعية وأسرية وإنسانية. رواية مهمّة، ذكية في طرحها، تتحوّل صفحاتها إلى لوحات نادرة لقضايا اجتماعية مسكوت عنها، مثل الإجهاض، والجنين المتوفّى، وتجارب الألم، والأمل، والفقد، والضياع، والأحلام المؤجَّلة.
تتحدّث عن الأجنّة غير المكتملة بتفاصيل متسلسلة، وبصراحة ووضوح جعلا رغبتي في إكمال القراءة تتضاعف. وللمرّة الأولى، أتعرّف إلى أسلوب منى عبد الوهاب، إلى ذكائها السردي وقدرتها على الإمساك بخيوط الحكاية دون أن تفلت منها المشاعر.
تحكي الرواية قصص ثلاث نسوة، لكل واحدة حكايـتها المختلفة: ميسرة، منصورة، ومريم، في فصول متعددة. سردٌ روائي خفيف، لكنه عميق الأثر، ترك بصمته في تصوير الإحساس بالأمومة، وربط الشخصيات بشيء واحد: الطفل. فالأمومة هنا إمّا حلم، أو خسارة، أو فقد، أو رغبة معلّقة.
منصورة امرأة صرعت نفسها وكافحت بعد أن خسرت شرفها، باحثة عن الأمان، لكنها ضعفت أمام ذاتها رغم خبرتها الطويلة في العلاقات.
ميسرة ذكية ومختلفة، تبحث عن إجابات لأسئلة لا تهدأ في عقلها، تائهة وغارقة في دوّامة الأسرة، والفقد، والألم، بعد وفاة جدّها وجدّتها.
الغلاف مبهر وجميل، ينسجم تمامًا مع روح الرواية، ويوجّه نداءه لكل المقبلين على الأمومة، ولكل من يعرف معنى الحنين والحب غير المشروط.
رواية شديدة الحساسية، مكتوبة من القلب، بجرأة صادقة. تعرّفت إليها صدفة عبر أحد منشورات فيسبوك، ولا أنكر مدى إعجابي بها. شعرت بالدهشة والحيرة، وتألمت بعمق مع فقدان طفل ميسرة، ومع معاناتها مع المرض، حتى خُيّل إليّ أنها تعيش في ألمٍ لا نجاة منه.
وتُختَم الرواية بطريقة مختلفة، مبدعة، وغريبة، بنهاية مرحلة من حياة إبراهيم، الذي عانى فقدان الذاكرة ومرض الزهايمر. كأن الحياة، رغم كل شيء، تكتب مصائر شخصياتها بقدرٍ محتوم، إلى أن انتهيت من الرواية بعد أيام قليلة من القراءة.
وأخيرًا، وللمرّة الأولى، أشكر منى عبد الوهاب. كاتبة تستحق أن تُعاش حكاياتها؛ لما تحمله من حرية، وجرأة، وصدق، وحب، وألم، وصراعات، وكل ما ينتهي – في النهاية – بنهاية الحياة: الموت… والأجنّة.

