جدلية العلاقة
بين نرجسية رجل ودهاء المرأة
في رواية (بئر الحيات) للكاتبة مي حسام أبو صير
في تعميق لسردية المرأة وتصور الأنثى لكل أوجه المجتمع ومكوناته تأتي رواية "بئر الحيات" للكاتبة مي حسان أبو صير في إصدار جديد يضاف لإبداعها المميز والذي تكلل بالتتويج والفوز في مسابقة القلم الذهبي عن رواية (صبابة وثورة شك).
في رواية (بئر الحيات) ومن خلال علاقات متشابكة شديدة التعقيد تتمحور حول شخصية طاووسية نرجسية مثل آدم المحامي الناجح والماهر في اصطياد البراءات والنجاحات وأيضا في اصطياد النساء بجاذبيته الشخصية ولباقته وذكائه وبنائه البدني وفحولته والكاريزما الطاغية على شخصيته.
ووضح التعمق في التفاصيل بقلم تعمق في قرائتها وتحليلها من منظور نفسي يتوغل في نفسية المرأة مبرزا عاطفتها في أوج توهجها وانتقامها في قمة شراسته وكبريائها في سمو وافتخار ودهائها في إدارة المواقف وحسم العلاقات.
في نموذج لأدب المجتمع وإعادة صياغته وتشكيله بقلم الكاتبة ومعرفيتها في امتداد لنصوص روائية لأدباء كبار كانت أعمالهم الروائية بمثابة حجر حرك مياه راكدة وألقى الضوء على علاقات مسكوت عنها وشخصيات مأزومة كما كانت روايات الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس تحمل تصورا جديدا للمجتمع وتفسيرا للعلاقات الاجتماعية والعاطفية.
وكما رسمت الكاتبة شخصية المرأة أيضا أبدعت في وصف الرجل والذي يكاد يكون هو الشخصية الذكورية الوحيدة في الرواية فكان ذلك دافعا أكبر أن تتعمق في وصفه وتقصي حياته في مهارة سردية راقية لمع فيها البعد القيمي رغم ما زخرت حياته وعلاقاته من تجاوزات ومفاجآت وقرارات مضطربة وتحولات.
ومن خلال تقنية تعدد الرواة أو تعدد الأصوات السردية وكما يعرف كمصطلح نقدي (بوليفونية السرد) فلم يكن الراوي العليم حاضرا بل قرأنا الرواية من أكثر من سارد أو ساردة مما جعلنا نقرأ الرواية من زوايا متعددة ومن مناظير شخصية وأخلاقية مختلفة وعلى ذلك تعددت الأمكنة والمعايير واستجلاء الحبكة.
مما صنع تشويقا وتفاعلا من القارئ وتحفيزا لفكره على ربط الأحداث وخاصة مع ظهور رواة جدد في النصف الثاني تقريبا من الرواية لاكتمال حلقة الأحداث ولتقديم إجابات على أسئلة ملحة تطرحه الأحداث.
وتألقت الصور البلاغية في سمو وتعمق كما في
"عيناها تغرقان في العتاب، والتساؤلات تسبح على جفنيها"
"تحررت من عبء عبوديته لي بدون مقابل، بل كان المقابل ليلة في غفلة من الزمن"
الشخصيات
صبا: وبعد قراءة الرواية نشعر وكأن صبا وآدم داخل الرواية وما بينهما من أحداث وقصة حب غلب عليها الصدق هي تصلح أن تكون رواية بذاتها ولكن في إطار روائي تقليدي بينما عندما أدرجتها الكاتبة ضمن جميع هذه العلاقات المتشابكة عمق من قيمة هذه الشخصية صبا بالمقارنة مع بقية الشخصيات وما أصعب من أن تصف امرأة امرأة أخرى فحين تسترسل عهد بكل ما تحمله من سمات عدوانية بوصف صبا بمنتهى الحياد نكون حقا أمام شخصية مبهرة واستثنائية.
عهد
أكثر الشخصيات ديناميكية صاغتها الكاتبة ببراعة وتوغلت في نفسيتها وصراعاتها بكل ما يحيطها من مكر ودهاء وعنف وقسوة وجبروت وحب امتلاك حتى في لحظات انسحاقها أمام آدم كان كبراؤها حاضرا، استطاعت الكاتبة ربما لخلفية تمتلكها في مجال القانون والمحاماة أن تقدم شخصية عهد من قلب الحدث ذكية ناجحة مثابرة مخلصة في حبها حتى مع منطقها غير المقبول في التضحيات، تصاعدت الشخصية وظهرت في سياقات عديدة قابضة على وتر الحدث تنصت من خلال السرد لصوت عقلها وما يحيكه من مؤامرات أو من دفاعات أو من حرب وجودية لنفسها ولآدم، يكاد ينطبق عليها الآية الكريمة "إن كيدكن عظيم".
أدم
مما حقق الدهشة أن آدم غير حاضر في معظم الأحداث وأفردت الكاتبة للحيات وصراعاتها المساحة الأكبر وهو إبداع الغياب الذي يوازي فاعلية الحضور.
غيداء، ليال
دائرة سردية في ظلال الأحداث ظهرت كعنصر مساعد للتفاعل الدرامي وإبراز شخصيات أخرى في صدارة المشهد الروائي.
شخصية مودة: شخصية باهتة لا تكتسب وجودها الا من علاقتها بآدم كزوجة فقط أما هي ليس لديها سمات شخصية تتصاعد مع الأحداث رغم مركزيتها على العكس توجد شخصيات في دوائر ثانوية تم رسمها شخصيا ودراميا بصورة أكثر تأثيرا.
المكان
شكلت الكاتبة الفضاء النفسي كساحة للحدث توازيا مع الفضاء المكاني المعتاد
فتجول القارئ داخل آفاقا من الأعماق النفسية لكل شخصية
وخاصة استهلال فصول الرواية وتلك الأوصاف الضبابية التي تصف المكان وكأن الرائي في حلم أو كابوس جاثم على صدره.
طافت الكاتبة من خلال بعض الشخصيات حول أماكن جميلة انعكست عليها جماليات الطبيعة والإبداع في سرد جمالها كمعادل لعلاقة الحب وخاصة بين صبا وآدم والتناص مع أوز وريس وإبراز قيمة النيل وآثار هامة لمصر.
المكتب استحوذ على مساحة كبيرة بأضوائه الكابية كمكان معد لصنع المؤامرات.
الزمان
الزمن بطريقة المونتاج وفق السارد في أي من فصول الرواية حيث لم يكن الزمان تصاعديا تعاقبيا بقدر ما كان مرتبا بعناية في سياق صنع الحدث وقبول الحبكة.
الاتجاه النفسي في الرواية وقبول الحبكة
لو ظلت الكاتبة بطول الرواية تصف في غراميات ومغامرات آدم لكان أمرا غير مقبول يستفز حتى القراء الذكور لما في شخصيته من أسطورية ومركزية
ولكن أدارت الدفة جيدا الكاتبة بإدراج صوتا سرديا جديدا في الصفحة الواحدة والثمانين من الرواية في شخصية حنان والتي أضاءت الكثير في شخصية آدم فهذا الآدم الطاووس في الوعي هو في منطقة اللا وعي _وفق مدرسة التحليل النفسي للعالم ومؤلفات سيجموند فرويد في ذلك_ إنسان مأزوم عانى من صدمات عائلية في أدق علاق إنسانية بين الابن والأم وما شكل في نفسيته عداءً كامنا ضد المرأة والبراعة في قلم الكاتبة أنها استثمرت ذلك العداء في تقديم شخصية ثرية متنامية بعكس المعتاد من هذه النوعية من الشخصيات التي تنحو منحى عدائيا انعزاليا ضد الآخر بجميع شخوصه.
"وكانت النقطة التي انطلق منها فرويد في هذا الصدد تتميز في تمثيله بين الشعور واللاشعور بين الوعي واللاوعي، بين مستويات الحياة الباطنية، واعتبار اللاوعي أو اللاشعور هو المخزن الخلفي غير الظاهر للشخصية الإنسانية، واعتباره متضمنا للعوامل الفعالة في السلوك كما ذهب فرويد إلى القول بأن الطفولة لها الأثر في البالغ في تكوين حياة الإنسان فيما
بعد " كتاب مناهج النقد المعاصر د/ صلاح فضل.
وأسوق من الرواية هذا الاقتباس
" لن تستطيع مهما فعلت أن تعيد لنا ثقتنا فيها كأم بعدما هربت وتركتنا،.....
تغير آدم منذ ذلك الحين ........... أصبح مولعا بعلاقات النساء، يستمتع بإيقاعهن في حبه"
العنوان
إن عنوان بئر الحيات قد تكون النظرة الأحادية لشخصية الزوجة مودة ومن ثم نظرة المجتمع ككل
للعلاقات العديدة للزوج ولكن هل يمكن تعميم الوصف على جميع سيدات الرواية شخصيا أعتقد أنهن ليس كلهن يمكن دمجهم في نفس الوصف والإجابة متروكة للكاتبة.
الغلاف
يتدرج من خلال ثلاثة مستويات من الأعلى لأسفل
أولا الرأس لشخصية الرجل وما بها من ضباب رؤية وحيرة وإبهام في لونها الأسود المعتم
ثانيا الحيات بعدد خمس حيات لأكرر نفس السؤال هل هن جميع الشخصيات النسائية بالرواية (عهد، صبا، غيداء، ليال وأخيرا مودة) و (الأم)
أم ان هناك رؤية أخرى؟
ثالثا: شخصيات النساء يقفن في حيرة وتساؤل بينما الرجل يرحل غير عابئ بتعلقهن
العنوان اختصر أحداث الرواية في لوحة فنية انيقة دافئة جمعت بين جميع التناقضات.
توظيف الاستهلال في فصول الرواية كعتبة نصية
عادة ما يستخدم الكتاب هذه التقنية من خلال خاطرة استهلالية تقدم لأحداث الفصل الروائي
أو اقتباس يتناص مع كتب التراث في الدين والتاريخ أو بيت شعر شهير
هنا في رواية بئر الحيات الاستهلال كان عبارة عن فقرة سردية ضبابية تصف منطقة اللا وعي كما أشرنا لتوظيف البعد النفسي واستقصاء لا وعي الشخصية فكان الاستهلال يشبه حلم يصور زمكان مقبض موغل في الغموض معبرا عن عمق الصراع النفسي الذي تعيشه الشخصي وأبدعت الكاتبة في تكوين صورة للفضاء السردي مبتكرة في الوصف الظاهري ومبرزة للإيقاع النفسي المضطرب والقلق الذي يخيم على صيرورة العلاقات
مما يؤهل الكاتبة خوض تجربة كتابة رواية الفانتازيا والأدب الغرائبي كإضافة لريادتها في الرواية الاجتماعية الرومانسية النفسية
الاهداء
اهداء 1
يحمل قيمة شخصية للكاتبة ووصف سام للأب مثل نور يضئ الطريق
اهداء 2
ابراز الصراع بين العقل والقلب ودعوة للخروج من بئر الحيات كمعادل للخيانة والعتمة.
اقتباسات من الرواية
- لم يعد هناك مكان للأمل في قلب مزقته الخيانة والخذلان.
- لم يكن هو يوسف حتى يعصمه الله من الخطأ، ولم أبرئ نفسي فلست امرأة العزيز.
- جميع النساء في عرفه لحظات عابرة.
- غدر صديق أبشع آلاف المرات من غدر عدو.
