▪️قرأت في مكان ما أن هناك كتابات تتركك وأنت تنظر للاشيء. وبداخلك مشاعر مختلطة. خليط من السعادة و الحزن والشجن والأثر الذي يتركه الفن فيك. كان هذا المونولوج المسرحي الصغير ،أو النوڤيلا ، من الكتابات التي تنتهي منها ولا تنتهي منك كما يقولون. شاعرية وبسيطة وذات فلسفة هادئة.
▪️أسطورة عازف البيانو "دانّي بوودمان ت.د ليمون ألف وتسعمائة، أعظم عازف بيانو في المحيط " ، ما سر هذا الأسم؟!
- قصة طويلة لشخصية لم تر اليابسة قط. حياته كلها منذ وعى الدنيا كانت على متن سفينة الفيرجينيان.
كان يعزف ألحانًا لم يسمع بها أي شخص في أي مكان ، كان يعزف وكأن الموسيقى هي لغة فريدة ونادرة مُستعصية على غيره وهينة طيّعة في يده. كان يعزف وكأن موسيقاه هي طريقته الوحيدة للتواصل مع العالم، أو طريقته للتعبير عمّ يدور في فَلَك عقله.
▪️ من فرادة عزفه كان يقال عنه أنه يعزف بأربع أيادٍ وبانسيابية وسهولة وكأن العزف طُبع في ذاكرته منذ الأزل. كان ينظر في اتجاه ما أثناء العزف ولا ينظر في عيون الأشخاص المنبهرين بعزفه ،كان يرى العالم الحقيقي بطريقته الخاصة - وهو من لم يره فعليا ولا مرة - بطريقة مختلفة تمامًا عن رؤية الآخرين الفعلية لنفس العالم.
▪️ كانت السفينة هي العالم المألوف بالنسبة له ، عالمه الخاص الذي يعرف حدوده كلها، عالم له نهاية، والبيانو الذي كان يعزف عليه، البيانو المكون من 88 مفتاحًا يعزف عليه ألحانًا لا نهائية. كان هو و موسيقاه.. لا نهائيّين..
كان يرى العالم من خلال زوّار السفينة.. كان العالم يأتي إليه مُحمّل بكل المشاعر والطّباع.. والكثير مما كان يقرأه في عيون الناس وتصرفاتهم.
-يجعلك تتسائل عن فقّاعة المألوف ( الـ safe zone).. أهي شيء سيء لهذا الحد؟
في حالة 1900 كان يختار المألوف وعزلته على لا نهائية العالم الواسع بكل احتمالاته وحريته..
❞ ربّما لم ير العالم أبدًا، لكنه قضى سبعة وعشرين عامًا، وهو يرى العالم يصعد على متن تلك السفينة. وكان يتلصّص النظر إلى العالم خلال سبعة وعشرين عامًا، من على تلك السفينة، ويتقمّص روحه. ❝
❞ كان عبقريًا في هذا، بلا شكّ. يُتقن فنّ الإصغاء، والقراءة، ليست قراءة الكُتُب، فتلك يُتقنها الجميع، إنما قراءة البشر. ملامح وجوه الناس تتشرّب كلّ الأماكن والأصوات والروائح التي يصادفونها، يحملون أراضيهم وحكاياتهم على أجبنهم… كلّ شيء مكتوب على أجبنهم. كان يقرأ، بعناية فائقة، ويُصنّف، ويُرتّب، ويُنظّم… في كلّ يوم، يضيف قطعة صغيرة إلى تلك الخريطة الواسعة التي كان يرسمها في خياله عن العالم بأسره، من أقصى الشرق، إلى أقصى الغرب ❝
▪️الراوي ،عازف البوق وصديق ألف وتسعمائة.. علاقة بدأت بالتشكيك في الروايات المسموعة عن ذلك العازف العبقري وانتهت بالافتتنان بموهبته الفطرية، وطبيعته الغريبة المُحببة.
مشهد لقائهما الأول من أكثر المشاهد جمالًا.. وحقيقةً كل مشاهد الشخصيتين معًا رائعة.
❞ الحقيقة أنّ ذلك البيانو راح ينزلق، على خشبة صالة الرقص، ونحن خلفه، وألف وتسعمائة؛ إذ يعزف عليه، دون أن يحيد أنظاره عن المفاتيح، كان يبدو في عالم آخر، بينما البيانو يتبع وجهة الأمواج، فيروح، ويجيء، ويدور حول نفسه، أو يمضي مسرعًا نحو واجهة الزجاج، وما إن يكاد يلامسها حتّى يتوقّف فجأة؛ لينزلق ثانية عائدًا إلى الخلف، كان يبدو كأن البحر يُهَدْهِدُه؛ كي ينام، ويُهَدْهِدَنَا معه، دون أن أفهم شيئًا من هذا كلّه، بينما يعزف ألف وتسعمائة بلا هوادة، ولم يكن يعزف، ببساطة، بل كان يقود البيانو، أتفهمون؟! يقوده بالنقر على مفاتيحه، مسترشدًا طريقه بالأنغام، وما أدراني، كان يقوده حيثما أراد، شيء غريب فعلًا.❝
❞ توطّدت صداقتنا، أنا وألف وتسعمائة. وباتت صداقة متينة، إلى الأبد. قضينا الوقت كلّه في حساب كم دولارًا علينا أن ندفع مقابل ما حطّمناه. وكلّما ارتفع الثمن ضحكنا أكثر وأكثر. وإن فكّرتُ ثانية في الأمر، يبدو لي أنّ السعادة ليست سوى القليل من لحظاتٍ كتلك. أو شيء ما من هذا القبيل. ❝ ❤️
▪️ حاول ألف وتسعمائة أن ينزل لليابسة بعد أكثر من ثلاثين عامًا لسبب من أغرب وألطف ما يكون ، أن ينطلق للعالم المفتوح الواسع اللانهائي.. لكنه تراجع..
❞ لم أخفْ ممّا رأيتُ..
بل ممّا لم أرَ..
أ تفهم هذا، يا أخي؟ لم أخفْ ممّا رأيتُ، بل ممّا لم أرَ… بحثتُ عمّا لا يُرى، ولم أجده. في تلك المدينة المتهالكة، كان يوجد كلّ شيء عدا.. كان يوجد كل شيء.. عدا النهاية. لم أستطع أن أرى النهاية. نهاية العالم.. ❝
-يستعجب من البشر وعالمهم وقدرتهم الغريبة على العيش فيه.
❞ هل رأيتَ الطرقات؟
كان هنالك الآلاف من الطرقات. كيف تستطيعون أن تختاروا طريقًا واحدة، لا غير..
كيف بوسعكم أن تختاروا امرأة واحدة فقط.. وبيتًا واحدًا، وأرضًا واحدة، ومنظرًا واحدًا، تشرفون عليه، وطريقة واحدة للموت.. كلّ ذلك العالم.. كلّ ذلك العالم حولكم، الذي لا أحد يعرف أين ينتهي... ❝
-ليتكلم بعدها عن حياته بنفسه، عن رؤيته لها، عن خوفه من المجهول، وخوفه من الاختيار.. خوفه من المجهول.
❞ أنا وُلدتُ على هذه السفينة. وكان العالم يأتي إليّ، أكثر من ألف شخص دفعة واحدة. وكم من الرغبات مرّت عليّ، لكنها أقلّ ممّا قد تحمله سفينة. كنتُ أعزف السعادة، على لوحة مفاتيح محدّدة.
هكذا تعلّمتُ. لكنّ الأرض سفينة كبيرة جدًا على مقاسي. الحياة رحلة طويلة جدًا. إنها امرأة في غاية الجمال. عطر ثاقب جدًّا. موسيقىً، لا أتقن عزفها. اعذروني. ❝
▪️المونولوج جميل جدًا، وددتُ لو كتبت أكثر عنه ولكن أخشى أن أكتب كل مافيه.. وفي نفس الوقت لا أستطيع التعبير عما يدور في ذهني بالضبط أو لا أقدر على صياغة جمال هذة القصة في كلمات.
قيل عن الكاتب أنه " يتميز بأسلوبه السهل الممتنع، وتحليله العميق للّحظات الفريدة التي يُثبت فيها الإنسان إنسانيته، وذلك ضمن خلطة أدبيّة، تجمع بين السِّحْرية والتصوّف. كما يتّسم بالابتعاد عن الإسهاب والغوص في القضايا اليومية، فتراه يتطرّق إلى مواضيع في غاية الغرابة والعجب، أبطالها نظريّاتٌ فلسفية، أو أساطيرٌ معاصرة، أو أفكارٌ فنيّة، وذلك ليفسح المجال أمام الفنون؛ كي تعبّر عن نفسها - تلك الفنون التي خبرها شخصيًا - كالموسيقى والرسم والمسرح. "
وهذا ما وجدته هنا.. مزيج من البساطة، والسحر، والفلسفة، والهشاشة الإنسانية ، والفن.. جعلني ممتنة لتأجيل قرائتي لهذا المونولوج لوقت هادئ أجلس فيه وحدي، بصحبة المقاطع الموسيقية التي عُزفت في الفيلم المقتبس منه.
▪️ كان رحلة جميلة جدًا جدًا وينصح بها جدًا - لو كنت من محبي الهدوء - ❤️



















