تأملات في عتمة الذاكرة: مراجعة أدبية لرواية «تعويذة علام»
حين تقترب من عوالم الكاتبة علياء هيكل، فإنك لا تتأهب لقراءة نص ورقي عابر، بل تشرّع نافذة على مجازات النفس، وتدخل ردهاتٍ تتشابك فيها خيوط الميتافيزيقا بوجع الواقع. وفي روايتها «تعويذة علام»، تأخذنا الكاتبة في رحلة ممتدة بين أروقة الفنتازيا المظلمة وأسرار العائلات الدفينة، لتضعنا وجهاً لوجه أمام أسئلة الوجود والذاكرة والزمن.
1. القصة والحبكة: كرة الثلج التي تحركها الوصية
تتحرك حبكة الرواية بمهارة بالغة تشبه حركة "كرة الثلج"؛ تبدأ من نقطة كلاسيكية ظاهرياً لكنها شديدة الانفجار: رحيل الجدة «رقية» وما تتركه خلفها من إرث معنوي ومادي يتربع على عرشه تحذير صارم يمنع الاقتراب من خبايا "البدروم" أو غرفة مغلقة بإحكام في منزل عتيق ينبض بالأسرار.
هذا التحذير يعمل كفتيل قنبلة موقوتة تدفع بالبطلة «فريدة» – ممثلة الفضول والوعي الإنساني – لتدخل في صراع مرير بين هيبة الخوف وسطوة المعرفة. الحبكة هنا لا تعتمد على الإثارة الرخيصة، بل تتصاعد رويداً رويداً عبر تفكيك طبقات الماضي، ليتبين للقارئ أن الأبواب التي نغلقها في وجوه الحقيقة، هي ذاتها التي تحاصِرنا في المستقبل.
2. فلسفة العمق وعالم الشخصيات
لا تنظر علياء هيكل إلى الماضي باعتباره صفحة طويت، بل تراه كائناً حياً يتنفس خلف الجدران، ويحرك خيوط الحاضر بخفاء تام.
فريدة: لم تكن بطلة خارقة، بل جسدت بصدق إنسانة عادية يمزقها التردد؛ تقف على أطراف أصابعها بين رغبة التنوير وخوف التورط.
المكان (المنزل العتيق): لم يكن مجرد ديكور خلفي للأحداث، بل تحول إلى شخصية رئيسية حية، تئن جدرانها بصمت بليغ، وتشهد على خطايا الغائبين الذين ظلوا أحياءً في أثرهم أكثر من الأحياء أنفسهم.
3. أسلوب الكاتبة وبصمتها الأدبية
تتميز كتابة علياء هيكل في هذا العمل بـ السهولة الممتنعة والنبض السينمائي:
السلاسة اللغوية: تبتعد الكاتبة عن التقعر اللفظي والمفردات القاموسية المعقدة، لتخاطب الوجدان بكلمات شفافة ورشيقة تصل إلى عمق الروح بأقصر الطرق وأعمقها أثراً.
الشفافية النفسية: تبرع الكاتبة في الغوص بأغوار النفس البشرية، كاشفة عن دوافع الخوف والفضول والندم، مستخدمة إيقاعاً سردياً متوازناً يمنع شعور القارئ بالملل، ويدفعه لقلب الصفحات بنهم خفي.
4. اقتباسات وتشبيهات سامقة
تحفل الرواية بمحطات بليغة وصور فنية توقظ الخيال وتلامس الوجدان، ومن أبرزها:
"البعض يظن أن الموتى يرحلون تماماً، لكن الحقيقة أنهم يتركون ظلالهم كثيفة على الجدران، بحيث لا يستطيع الأحياء أن يتحركوا بحرية دون أن يصطدموا بذكراهم."
"بعض الأسرار تشبه الأفاعي النائمة تحت شمس الظهيرة؛ تقترب منها ظناً أنها ماتت، فإذا بها تنفض ركام السنين لتلدغك في أكثر لحظاتك أماناً."
"حين تفتح الأبواب التي أُغلقت عمداً، فأنت لا تبحث عن الحقيقة فحسب، بل تبحث عن رداء تتقي به برد الندم الذي ينتظرك في الطرف الآخر."
5. التقييم النهائي
التقييم الأدبي: 4.3 / 5
لمن تنصح؟ لعشاق التشويق الراقي، محبي أدب الغموض النفسي والأسرار العائلية المشابكة، ولكل من يبحث عن نص مكثف يأخذ اليد ليطوف بها في عوالم السحر والواقعية المظلمة في جلسة قرائية واحدة.
خلاصة القول: نجحت علياء هيكل في «تعويذة علام» في أن تقدم مزيجاً ساحراً يربط بين إثارة الحكاية وعمق الفكرة، تاركةً خلفها أثراً لا يُمحى في ذاكرة القارئ وكأنها تعويذة خاصة طبعت على جدار الروح.

