في روايتها الرائعة "دراما كوين"، تأخذنا الكاتبة المبدعة "نهلة كرم" على متن سفينة السرد، تبحر بنا بين الأمواج المتلاطمة والرياح العاصفة والقلوب الهائمة، في رحلة نفسية إنسانية كاشفة، تمخر عباب بحور الأنين، وتصل بنا إلى شواطئ المعاني.
الرواية هي قطعة أدبية شديدة العذوبة، ملحمة سردية شديدة الثراء، فيها الحبكة حركات راقصة، واللغة موسيقى فاتنة، وصوت الراوي إيقاع متدفق، ستأسرك داخل أسوارها، ستستمع إلى البوح العميق، ستجد كل صنوف المعاناة في حكايات فتياتها، ستدرك أنها معاناة كل النساء في بلادنا، بعدها ستمنحك حريتك، لكنك سوف تنتظر داخل الأسوار، سوف ترفض الخروج إلا بعد أن تطمئن أنهن جميعًا قد تصالحن مع أنفسهن، ومُنِحن الخلاص، وصِرنَ قادرات على القيام بكل حركات "كومبو" الحياة، بسهولة وسلاسة، في رقصهن على "الپول".
❞ أقترِح عليه أن تكون لكل ممثلة في فيلمه حركة معينة تعكس حياتها ❝
عناوين فصول الرواية هي ست حركات على "الپول"، تصور حكايات فتيات الرواية، غادة وشيماء وليلى وريم وحلا وفريدة، من داخل الاستديو، شاهدنا الفتيات يرقصن على العمود، رقصات الألم والأمل، يفرغن آلامهن ويشحذن آمالهن، عشنا معهن تفاصيل حيواتهن، وشعرنا بكل أوجاعهن.
🔶️ غادة، حائرة، تبحث عن نقطة تشابه مع الفتيات الأخريات، حتى لو كانت ندبة لا تزول أو حتى كدمة عابرة، لكن كدماتها لم تكن أبدًا عابرة، كان الرجاء هو ما ننتظره لها داخل الأسوار.
🔶️ شيماء، مختلفة، تبحث عن الثقة في الحياة وفي نفسها، خذلها كل من مر بحياتها، ظنت أنها غير مرئية، حلمت بسلسلة الفراشات، كانت النجاة هو ما ننتظره لها داخل الأسوار.
🔶️ ليلى، تائهة، تبحث عن المعنى، ماذا في الحياة غير معرفة الرجال، تحاول الخروج من حفرة الضحية وطبقات الألم، وتتعلم أن تحتضن نفسها، كانت السعادة هي ما ننتظره لها داخل الأسوار.
🔶️ ريم، مستسلمة، تبحث عن الأمان، عاشت كل جوانب الحرمان وقبلت الورد المختلط بالتراب، كان لا بد أن تتغير، تغيرت وواجهت وتحررت، كان الانطلاق هو ما ننتظره لها داخل الأسوار.
🔶️ حلا، متطلعة، تبحث عن الطاقة الأنثوية، تريد الحصول على كل ما ليس لديها، وجدت حياة مثالية بلا سعادة، كررت لعبة الأذى والندم، تمادت وانتبهت، كان التصالح هو ما ننتظره لها داخل الأسوار.
🔶️ فريدة، مخَلِّصة، تبحث عن الخلاص للآخرين، لا تشعر بألمها لكنها تشعر بكل آلامهن، أرادت تجربة مشاعر الخوف والغضب، تخلصت من الثقل، كان الخلاص هو ما ننتظره لها داخل الأسوار.
بين ارهاصات الرجاء والنجاة والسعادة والانطلاق والتصالح والخلاص، مضت بنا الرحلة داخل هذه الرواية، كان استوديو رقص العمود "الپول" هو البوتقة التي التقت فيها الحكايات، ونُزِفت فيها الآلام، ثم التأمت فيها الجراح.
كان صوت فريدة يتقاطع بين الفصول مع صوت الراوي، يجعلنا نظن أنها هي نفسها الراوي العليم، الراوي الذي هو أيضًا يفتقد آلامه ويشعر بآلامهن مثلما شعرت، وحملت داخلها جزء من حكاية كل واحدة منهن.
فهمَت كل واحدة منهن أنها يجب أن تتخلص من الوهم الذي صنعته لنفسها وركضت خلفه:
❞ كلما ركضتِ خلفه ابتعد، وكلما ركضتِ أكثر ابتعدتِ عن نفسِك ❝
أدركن أنه يجب على كل واحدة أن تعلم أن الشخص الوحيد المسؤول عنها وعن حياتها وسعادتها هو نفسها فقط، وليس أي أحد آخر:
❞ لم تدرك أن عليها أن تتألم كل هذا الألم حتى تتعلم أن تحضن نفسها! ❝
هذه الرواية نص أدبي من العيار الثقيل، تتلاعب الكاتبة بالحبكة، وتتحكم في كل أدوات السرد بمهارة فائقة، تقدم وتؤخر كشف الأحداث كيفما تشاء، تلقي إلينا بمعلومة ثم تتجاهلها وتمضي في الحكي، وحين نتظاهر بأننا نسيناها تعود وتربط الخيوط مرة أخرى، وعندما يوشك الفصل أن ينتهي، تأخذنا وتصعد بنا إلى قمة الجبل، نستمتع وننتشي بنعومة السرد وحساسيته، نطلق كل الانفعالات من مكامنها، ثم ننزل مرة أخرى لنبدأ فصلًا جديدًا، وحكايةً جديدة.
دائمًا تدهشنا نهلة كرم ببراعتها الفائقة في الغوص داخل بطلات روايتها، شهدنا ذلك في رواياتها السابقة، "على فراش فرويد" و"المقاعد الخلفية" و"خدعة الفلامنجو"، تحفر البئر عميقًا، تزيل منه كل الرمال والأتربة، تكشف كل خباياه، ولا تتوقف حتى تصل إلى صخرة القاع.





