قراءة في رواية مستر ولا شي
الأديب الجزائري الكبير واسيني الأعرج
مستر ولا شي.. حين تتحول السخرية من الذات إلى بحث عن معنى الوجود
هناك روايات نقرأها فننتهي منها، وهناك روايات تجعلنا نعود إلى بعض صفحاتها بعد أن نغلقها؛ لا لأن الحكاية انتهت، بل لأن الأسئلة التي تركتها في داخلنا لم تنتهِ.
وهكذا جاءتني رواية «مستر ولا شي: مآدبة جائزة نوبل الأخيرة» للروائي الجزائري الكبير واسيني الأعرج؛ رواية تبدو في ظاهرها رحلة ساخرة ومليئة بالمفارقات، لكنها في عمقها رحلة شديدة الجدية في أسئلة الشهرة، والاعتراف، والهوية، واللغة، والنجاح، وما الذي يجعل الإنسان جديرًا بأن يُرى ويُسمع ويُخلَّد.
منذ البداية يأخذنا واسيني إلى عالم نوفل، الذي يعيش حلمًا استثنائيًا: ماذا لو جرّب صديقي نوفل الترشح لنوبل؟
فتبدأ لعبة روائية ذكية بين الحلم والواقع، وبين ما نريد أن نكونه وما نحن عليه فعلًا، وبين السعي إلى المجد الأدبي والسؤال الأهم: هل المجد هو الذي يصنع الكاتب، أم أن أصالة الكاتب هي التي تقوده إليه؟
والجميل أن واسيني لا يقدم لنا نوبل باعتبارها مجرد جائزة، بل يجعلها مدخلًا للتأمل في فكرة الاعتراف نفسها. ويستعيد حكاية ألفرد نوبل، الذي ارتبط اسمه بالديناميت، ثم ترك وراءه وصية جعلت من ثروته أساسًا لجائزة أصبحت واحدة من أشهر الجوائز في العالم، وكأن الرواية تسألنا: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن ينتهي كل شيء؟ وما الذي يمكن أن يحوّل أثرًا مثقلًا بالندم إلى أثر يحمل معنى؟
كواليس الحلم
من أكثر ما استمتعت به في الرواية ذلك الاشتغال على كواليس الاستعداد للفوز بجائزة نوبل في الآداب؛ فواسيني يأخذ الفكرة إلى أقصى حدودها، ويجعلنا نعيش تفاصيل حلم يبدو في لحظات مضحكًا، وفي لحظات أخرى مؤلمًا، لأنه يكشف ذلك الجزء الإنساني فينا الذي يريد أن يُعترف به.
«كل الجوائز التي تحصلت عليها ركضت نحوي ولم أطلبها».
جملة تختصر فلسفة كاملة في التعامل مع النجاح؛ فبعض الأشياء لا تأتي لأننا طاردناها، وإنما تأتي حين نكون قد صنعنا ما يستحق أن يأتي.
وفي الرواية أيضًا ذلك المعنى الجميل: الذين سبقوني لم يكونوا أفضل مني.
وهي فكرة تستحق التأمل؛ فالإنسان كثيرًا ما يقارن نفسه بمن سبقه، وينسى أن لكل شخص طريقه ووقته وظروفه، وأن التأخر عن الآخرين لا يعني بالضرورة أنك أقل منهم.
واسيني.. الكاتب الذي يجعل المعلومة جزءًا من الحكاية
من الأشياء التي أعجبتني جدًا في الرواية قدرة واسيني الأعرج على إدخال المعلومات والأفكار داخل السرد دون أن تبدو كأنها درس منفصل عن الحكاية.
نجد الحديث عن اللغات والترجمة، ثم العودة إلى أهمية اللغة العربية ومكانتها، بوصفها لغة القرآن الكريم، ونجد إشارات إلى فلسطين والشهداء، وإلى الحجاب الشرعي، وإلى شخصيات وأسماء تركت أثرًا في التاريخ والثقافة، ومنها المهندسة العراقية زها حديد.
كل ذلك يأتي داخل النسيج الروائي، فيشعر القارئ أنه لا يقرأ حكاية فقط، وإنما يفتح أبوابًا متعددة على الثقافة والتاريخ واللغة والفكر.
حتى العبارة الساخرة:
«لماذا لا يجرب صديقي نوفل الترشح لنوبل؟»
تتحول من مجرد سؤال طريف إلى سؤال عن علاقة الكاتب بذاته، وبمجتمعه، وبالمؤسسة الأدبية العالمية.
أين هو الشعر؟
ومن أجمل الأسئلة التي أثارتني في الرواية:
أين هو الشعر؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل وراءه سؤالًا أكبر: أين توجد الحقيقة الجمالية وسط كل هذا السعي إلى الشهرة والاعتراف والجوائز؟
وهنا يبدو أن واسيني يريد أن يقول لنا إن الأدب ليس مجرد جائزة، ولا الكاتب مجرد اسم على غلاف، ولا القيمة الأدبية مجرد اعتراف مؤسسة مهما كانت عظمتها.
أصالتك هي التي تقودك نحو نوبل، وليس بحثك المحموم عن نوبل هو الذي يصنع أصالتك.
من قريتي إلى العالم
ومن أكثر المقاطع التي لفتتني ذلك الاحتفاء بالمكان والذاكرة:
«قريتي حبيبتي، في شقائي نعمتي، أجد فيك مجدتي، سكري وزيتي ومربتي، فيك حياتي وأسرتي...»
فهنا يصبح المكان أكثر من مجرد جغرافيا؛ يصبح ذاكرة وهوية وأهلًا وطفولة، ويصبح الانتماء إليه جزءًا من تكوين الكاتب.
ولذلك كان حضور القرية والذاكرة واللغة الأصلية مهمًا في الرواية؛ لأن الإنسان مهما ابتعد، ومهما حاول أن يصبح عالميًا، يظل يحمل بداياته الأولى معه.
السيرة.. عودة إلى الحقيقة الأولى
ومن أجمل الأفكار التي خرجت بها من الرواية:
«كتابة السيرة عودةٌ إلى الحقيقة الأولى؛ تلك التي تسرقها منا الحياة في غفلة.»
يا لها من عبارة تختصر معنى السيرة كلها!
فالإنسان مع مرور السنوات يبتعد عن نفسه الأولى، تسرقه الحياة، والمسؤوليات، والخسارات، والنجاحات، والصور التي يصنعها الآخرون عنه. ثم تأتي الكتابة لتعيده إلى ذلك المكان الأول الذي كان فيه أكثر صدقًا مع نفسه.
وربما لهذا تبدو الرواية في جزء منها محاولة لاستعادة الذات قبل أن تصبح مجرد صورة في عيون الآخرين.
من الخسارة نصنع نورًا
وأعتقد أن أجمل مفتاح يمكن أن نخرج به من الرواية هو:
«اجعل من ظلامك نورًا، ومن خسارتك ربحًا.»
فالفرق بينك وبين الإنسان العادي ليس في حجم ما تواجهه، بل في قدرتك على تحويل ما تواجهه إلى طاقة تدفعك إلى الأمام.
تأمل سرديتك جيدًا، وابحث عن نقطة الخلل التي جعلتك ترى الخسارة نهاية، أو الظلام طريقًا مسدودًا. تعامل معها بهدوء، ولا تتركها تأكلك من الداخل.
في داخلك طاقة جبارة، ربما أخفتها الخسارة، أو عطّلها الألم، لكنها ما زالت موجودة.
استخرجها، وجّهها، واستثمرها.
فما يؤلمك اليوم قد يكون هو ذاته الوقود الذي يصنع منك إنسانًا أقوى غدًا.
الرواية بين السخرية والعمق
واسيني الأعرج يمتلك روحًا جميلة في الكتابة؛ يكتب بسلاسة، ويرسم صوره بعناية، ويعرف كيف ينتقل بالقارئ من مشهد ساخر إلى فكرة عميقة دون أن يشعره بثقل الفكرة.
وفي «مستر ولا شي» نجد السرد السهل الممتنع، والمفارقة، والمعلومة، والخيال، والحبكة الدرامية، إلى جانب أسئلة كبيرة عن الشهرة والنجاح والهوية واللغة والاعتراف.
حتى فكرة «لمس الخشب» اتقاءً للحسد، والرحلة وسط البحر، وصور السفينة وهي تغوص في أعماق المدى وبين قواقع الخوف، كلها تمنح النص طبقات من الدلالة والصورة الشعرية.
والرواية في النهاية لا تتحدث عن نوبل وحدها، بل عن رغبة الإنسان في أن يكون له أثر.
عن ذلك الجزء في داخل كل واحد منا الذي يريد أن يقول: أنا هنا، عشت، حاولت، أحببت، خسرت، وربحت، وكان لي شيء يستحق أن يبقى.
ولذلك كان عنوان «مستر ولا شي» ذكيًا ومحمّلًا بالمفارقة؛ فكيف يمكن لمن يبدو «ولا شيء» أن يحلم بأن يصبح شيئًا يُذكره العالم؟
وربما هنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الرواية:
أن الإنسان قد يبدأ من «ولا شيء»، لكنه لا يُقاس بما بدأ به، وإنما بما استطاع أن يصنعه من هذا اللاشيء.
في النهاية
استمتعت جدًا بهذه الرواية؛ ليس فقط بسبب الحكاية، وإنما بسبب الطريقة التي جعل بها واسيني الأعرج الأدب مساحة للضحك والتأمل والسؤال، وجعل من رحلة نوفل نحو نوبل رحلة أوسع نحو الذات.
رواية تجمع بين السخرية والفلسفة، الحلم والواقع، الشعر والسرد، الثقافة والمفارقة، وتضع أمام القارئ أسئلة عن النجاح والاعتراف والأصالة والهوية، دون أن تفقد متعة الحكاية.
وبعد أن أغلقت الكتاب بقي سؤال واحد يلحّ عليّ:
هل نحتاج فعلًا إلى جائزة كي نعرف قيمة ما نكتب، أم أن أعظم انتصار للكاتب أن يظل وفيًا لصوته، حتى قبل أن يصفق له أحد؟
واسيني الأعرج هنا لا يقدم لنا إجابة مباشرة، لكنه يجعلنا نبحث عنها داخل أنفسنا.
تقييمي: ⭐⭐⭐⭐⭐ 5/5
قراءة ممتعة جدًا، ورواية تركت لديّ أثرًا جميلًا، وأكدت لي مرة أخرى أن الأدب الحقيقي لا يمنحك الحكاية فقط، بل يمنحك مفاتيح جديدة لرؤية نفسك والحياة.















