في مجموعتها القصصية البارعة "حتى موعد الظلام" قدمت لنا الكاتبة المبدعة "شيماء غنيم" نصوصًا بديعة، أهدتها إلى أرواح النساء اللواتي علقن بين الضوء والظلال، واللائي هن صدى الحكايات ووهجها الدائم.
القصة القصيرة هي جنس أدبي حائر بين من يتعاملون معها على أنها مجرد "رواية قصيرة" مختصرة أو مبتسرة، وبين من يعتبرونها رؤية فنية مستقلة تعتمد على التقاط لحظة كاشفة أو إبراز حدث وحيد أو تكثيف فكرة هائمة أو استكشاف شعور مقيم، مما يجعلها فنًا يتطلب مهارة فائقة في التقدير والموازنة، وفي تجربتها القصصية، انحازت شيماء غنيم إلى تلك الرؤية الأخيرة، واستطاعت بمهارة فائقة أن تقدم لنا وجبة أدبية مشبعة كما ينبغي لها أن تكون.
سبع عشرة قصة قصيرة، تجمعت فيها ملامح ومقادير ومستويات، كمية وكيفية، من عذابات النفوس، وأوجاع القلوب، ومشَقَّات الأرواح، وتساؤلات الجدوى، سأقوم في السطور التالية بمحض استحضار لروح كل قصة:
🔺️ ست البيت
شجرة الذكريات التي احتضنتنا، وحفظت أسرارنا، وحملت أرجوحتنا، وواستنا عندما كنا نبكي، وخبأتنا بين أغصانها عندما كنا نلهو، جرَّدوها من خصوبتها، هل سنصدق أن القصة سوف تنتهي هكذا..
❞ لا يجب لهذا الضوء أن ينطفئ أبدًا، ولا لهذه الأغصان أن تفرغ من الأوراق، لم يحن الوقت بعد ❝
🔺️ المائدة
ثريا تحتضن أرجل المائدة، بين رفض أمها لها وابتعاد الآخربن عنها، أحست أنها الحِمل الزائد في الدنيا أو الشخص الزائد في الصورة..
❞ لماذا أنا من تُشطب دائمًا من الدفتر؟ وتسحبني الأرض لباطنها بأغصانها المتشابكة المُلتفة حول عنقي البارز فلا يسمع أحد صوت ارتطامي ❝
🔺️ حتى موعد الظلام
شادي وشمس، تجارب مربكة، وأسرار صارت ساطعة عنده وباهتة عندها، تضيع النفس ويشيب القلب ويتنحى العقل، ويصبح كل شيء مباحًا، السائق المتهور ينهي الحكاية، وينتظر الجميع موعد الظلام..
❞ ها أنا هنا بين تلك الممرات الضيقة، أمشي وفي قلبي متسع لاستقبال جرح جديد ❝
🔺️ شرفة المقبرة
سعاد وآلام الندم والاحساس بالذنب، بعد وفاة زوجها وابنها الأكبر في حادث سيارة وبقاء ابنها الأصغر خالد مُقعَدًا، تعلو الآلام وتفيض في الفراغ حتى تتلاشى، عندها أخيرًا يتخذ خالد القرار..
❞ اتركيني كي أعيد الألوان إلى لوحاتي، فلا ربيع ينبت هنا، فلتجلسي وحدك في شرفة المقبرة ❝
🔺️ عجوز الحديقة
مريم وحكايات أم سعاد وفوزية وأم سمير، كل هذا الألم الذي يملأ تلك الغرفة التي تضيق جدرانها وتنكمش داخل نفسها وتتكور، والعجوز التي تطارد روحها بعد أن امتصت رحيقها، وضربت بالمعول أشجارها، وعاثت في حديقتها فسادًا..
❞ ويلكِ يا "مريم"، عذراء بلا رحم! ❝
🔺️ ولادة متعسرة
نورا السنهوري وحلم أسراب النحل، وكلماتها إلى طفلها، وابن عمها المهندس المعتدي الذي يستعد للزواج، ثم الطبيب القادم من الخارج لقضاء أجازة، يسمع صوت الرصاص ويلتقى الفتاة، ويطبق الظلام..
❞ يلعن كل ما جعله يعود لتلك البلدة ليرى الظلام يغلق الأبواب على آخر وميض نور ❝
🔺️ الهروب من السيرك
زواج إجباري، بعدها تبدأ حلقات من الألم لا تنتهي، سفر وعودة، زواج وطلاق، رجال يروحون ورجال يجيئون، ضاع الوعي وسط كل هذا الزحام، وتحولت الحياة إلى مجرد أضغاث أحلام..
❞ هل فكرت يومًا أن الحياة قاسية في بعض الأحيان؟ لا.. هي قاسية على الدوام ❝
🔺️ الباب الموارب
ميراي تستيقظ كل يوم على نفس الكابوس، عرفت إياد وأحبته، وكان يعلم أنها ستكون دائمًا هنا من أجله، خان عهدها، صادقت حبيبته الجديدة، ورضيت بطيفه، وبوجه النرد ذي النقطة الوحيدة..
❞ تُخفي وراء ضحكاتها وثرثرتها المعتادة الندوب التي تنخر في كل موضع بجسدها ❝
🔺️ خربشة أوراق
عاش في خدعة طويلة منذ طفولته، ثم بعد رحيل الأب، في الثانية صباحًا تبدأ خربشات الأوراق في مطاردته، في الشقة القديمة والشقة الجديدة، لم تتركه قبل أن يعرف الحقيقة..
❞ دقت الثانية صباحًا، ولكن دون أصوات، فلقد امتنعت عن زيارتي منذ تلك الليلة ❝
🔺️ الأريكة الزرقاء
على الأريكة الزرقاء، الدمية تشاهد وتروي، عن نزوة كنان وشيرين، فنجانا القهوة وسيجارة الحشيش، وسيل من الثرثرة التي لا تنتهي، ولقاء محموم، ثم عودة إلى الحياة المعتادة..
❞ ولكن لمَ، لمَ لا نترك السيطرة تفلت من أيدينا ولو للحظات؟ لِمَ لا نكفُّ عن التصرف كملائكة؟ ❝
🔺️ المرأة التي لا تبكي
لا تبكي الأستاذة فاطمة في عزاء زوجها، أخذ منها كل شيء ورحل تاركًا ولديها معها، لماذا تعتدّ على رجل تكرهه، الكل ضدها، ينتقدون ويغضبون، تحاصرها مزاعم لعن الملائكة، وتطاردها لعنة زوجها بعد مماته كما كانت تغمرها طوال حياته معها..
❞ انتهت الأغنية وصمت الراديو، وصمتت فاطمة ❝
🔺️ حسناء الدرَّاسة
بدأت القصة قبل عشرات السنين، حسنية التي تزوجت ابن خالتها وعاشا أشهر قصة حب في حواري الدرَّاسة، حريق وموت وسنوات تمر، لم يبق لها سوى الأطلال، والآن جاء عبد العظيم ليشاركها..
❞ كانت وحيدة في ذكرياتها حتى أتى من يشبهها في حب الأطلال ❝
🔺️ الفقاعة
الفقاعة المنتفخة تحوي الجميع إلا هي، شعرت أنها ليست هنا ولم تندهش، ترى أطياف الأم والفستان الوردي والفراشات الزرقاء، قالوا أنها عبء زائد، وللمرة الأولى وجدت أمها ولمحت ذاكرتها..
❞ أنا معها داخل الفقاعة، وحدنا داخلها والأزرق يحوطنا، أنا هنا، للمَّرة الأولى، أنا هنا… ❝
🔺️ صالون أم عبدو
كلام مريم عن المساواة، صبر النساء على أزواجهن، تحضير الطعام، العمل، الحب، الزواج، مناظرة حادة مع أم عبدو، للحظة مال البعض ناحية مريم، لكن في النهاية خسر منطق مريم أمام حلة المحشي..
❞ وكأن شيئًا لم يكن، فمحشي "أم عبدو" لا يقاومه أحد ❝
🔺️ المنزل المسكون
سليم وخرافات المنزل والرعشة، وأحاديث الجميع، ونداء ليلى، يقوم بزيارة المنزل، حتى مع محل الحلويات جاءت الرعشة من جديد..
❞ الناس يعشقون الحكايات يا ولدي، لا يستطيعون العيش دونها وإلا ماتوا من الملل أو من النظر في وجوه بعضهم البعض دون جدوى ❝
🔺️ شجرة الجميز
روتين الشوارع، ولبن الجميزة، وقبر الأب، ومقلى الشعب، وكل الأماكن المكررة، وكل الشوارع والطرقات والمحلات، وحتى الناس، تتكرر الأحداث كل يوم وكأنها بؤرة زمنية..
❞ لم تتغير جدران الشوارع ولا عادات العابرين والقاطنين، فقط نحن وحكاياتنا وما يفعله بنا الزمان ❝
🔺️ طاسة المنصورة
قصة داخل قصة، ذهبت مع صديقتها إلى الحمَّام الشعبي لاستعدادات العُرس، رأت الطاسة النحاسية والعجوز، وعرفت حكاية المنصورة العايقة، والحنطور، والشاب الجريح، والنهاية الدامية..
❞ آلة من الزمن تدور داخلها ولكنها لا تفتح أبوابها لأي شخص، فقط من يختاره أصحاب الحكايات ❝
كانت القصص أشبه بمقطوعات عبث وقصائد ألم ولوحات رحيل، تتنوع فيها الأبعاد والدلالات، رأيتها تدور في ثلاث دوائر نفسية وفلسفية؛
🔵 مقطوعات العبث ... ما بين شجرة تحتضر (ست البيت)، وعدل يموت (ولادة متعسرة)، وحقيقة تتأخر (خربشة أوراق)، ونزوة تتفجر (الأريكة الزرقاء)، ومنطق يضيع (صالون أم عبدو)، وخرافات تتمطئ (المنزل المسكون)، وصور تتثبت (شجرة الجميز).
🔵 قصائد الألم ... ما بين فتاة تغرق (المائدة)، وفتاة تذوب (عجوز الحديقة)، ومعنى ينتحر (الهروب من السيرك)، ويأس يبتسم (الباب الموارب)، ولعنة تتراقص (المرأة التي لا تبكي)، واغتراب يُطيح (الفقاعة).
🔵 لوحات الرحيل ... ما بين غياب عنيف (حتى موعد الظلام)، وغياب رحيم (شرفة المقبرة)، وأطلال تتبقى (حسناء الدرَّاسة)، وحكاية تتمدد (طاسة المنصورة).
استخدمت الكاتبة لغة لاهثة، كانت أحيانًا متفاعلة ومتسائلة، وأحيانًا أخرى لامكترثة وغير مبالية، وتلاعبت بالمكان فجعلته أحيانًا غائمًا ومُبهمًا، وأحيانًا مُفصَّلًا وواضحًا، وأحيانًا شفافًا ومُتواريًا.
أنسنت شيماء غنيم الأشياء، أماكن وبيوت وأشجار وصناديق وأوراق ودمي، كانت تلك الأشياء المؤنسنة تشارك أبطال القصص حيرتهم وتتفاعل معهم، حتى الرواي في إحدى القصص كان مجرد دمية (الأريكة الزرقاء).
على الرغم من انحياز شيماء غنيم لمفهوم القصة القصيرة كفن مستقل نوعيًا وليس فقط كميًا عن الرواية والنوڤيلا، استطاعت أن تبتكر ازدواجية فنية بارعة، عندما كانت بعض القصص كثيفة ومتوترة باعتبارها ومضات فكرية وشعورية، لكنها تخفى وراءها رواية طويلة، ظهر ذلك في (حسناء الدرَّاسة) و(طاسة المنصورة).
عندما تنتهي من قراءة كل قصة، لن تكتفي باللقطات القصيرة التي منحتها لك، سوف تستمر في التأمل والتفكير، سوف لن تتوقف عن محاولة معرفة الحكاية من أولها إلى آخرها، سوف تمضي في محاولة تبصر اللحظة أو الحدث أو الفكرة أو الشعور الذي ألقته عليك تلك القصة، ستراقب نفسك، وستستعرض ذاكرتك، وربما ستنظر في المرآة لتتأكد من أنك ما زلت هنا، ولم تذهب معهم بعيدًا.
هذه المجموعة القصصية تزخر بحمولتها النفسية والفلسفية، تستدرج القارئ ليخطو داخلها، فإذا به يتورط، يدور في كل الدوائر ويجوب كل الأركان، ويسبح في ذلك البحر المتلاطم، يجد نفسه فوق جزيرة بعيدة، يجلس ليستريح، تنتظم أنفاسه، ينظر شاردًا نحو خط الأفق، لعله يستطيع يومًا أن يعود.



