الرواية : الملف المحجوب للحالة آدم
الكاتب : إسماعيل وهدان
دار النشر : المحرر
أرى أن الكاتب المبدع هو من يتفوق على نفسه في أداء كل شخصيات العمل ببراعة، و كأنه تعايش من قبل مع كل التجربة بشكل يفوق أداء أكثر الممثلين موهبة، فالممثل يبدع في أداء الشخصية المكتوبة و المحددة في العمل فقط.
إسماعيل وهدان هنا أبدع في تقمص شخصيات من أصعب ما يكون، فعندما يتوغل في أعماق شخصية في عمر طفلة مصابة بالتوحد حتى صارت فتاة كبيرة، يعبر عن مشاعرها و حزنها بهذا الشكل يجعلني أشعر أنني أمام الشخصية الحقيقية و أتأثر بها بل أبكي، هنا تحكي سارة عن شعورها و هي التي لا تفهم نفسها :
❞ ”لا أشعر بما يشعرون، ولا أرى ما يرون. لا أسمع ما يسمعون، ولا أفكر كما يفكرون. أضحك خطأً وأبكي خطأً. أنا وحيدة كالحوت الذي أنَّ على موجة لا تسمعها باقي الحيتان، مهما صرخت وتكلمت وشعرت لا يسمعني أحد، ومن يسمع لا يفهم. ولا يوجد حل، لأن المشكلة فيّ أنا. أنا من أشعر بما لا يجب أن أشعر به“. ❝
تملكني شعور بعد قراءة هذه الفقرة أن أحتضن أولادي و هم نائمون و أشعر أنني مقصر رغم كل ما أفعله من أجلهم.
ثم ينتقل الكاتب إلى الأم المكلومة، فميرنا الأم تشعر بالذنب في كل ما حدث لإبنتها و إصابتها بالتوحد، هكذا كل أم مهما كان هذا قدر و ابتلاء و مهما بين الطب و العلم أن ما حدث لا دخل للأم به تصر كل أم أن تأنب نفسها و تحمل وزر ما أصاب طفلها و يتقطع قلبها و تصبح في صراع مابين كرهها للحياة و بين ترك طفلها وحيد، عاجزة عن فعل شئ ينقذه.
أتذكر كم عانت والدتي و تعذبت عندما علمت بإصابة أخي الصغير ببعض العيوب الخلقية في القلب و رغم أنها لا ذنب لها فقد حملت الذنب و كأنها السبب و تخيلت أنها ستفقد طفلها أو يعيش يعاني، حتى رحلت والدتي و أوصت عليه و هو الآن بخير لكن الأم دائمًا يقتلها الوهم و الخوف على أبناءها، و قد صدق القائل أننا حين ننجب نخرج قلوبنا خارج أجسادنا.
ميرنا كبعض الأمهات تصاب باكتئاب ما بعد الولادة و تشعر بمسؤولية لا تقدر عليها و يهرب الزوج من الوقوف بجانب زوجته و كأن مهمته هو التخصيب و توفير الأساسيات للحياة و تعبر ميرنا عن حزنها من وليد زوجها :
" لم يكن هذا الاتفاق، تعاهدا على خوض كل المعارك معًا، وها هو يتركها في وجه أول معركة. تبكي، تشارك صغيرتها في البكاء، أو تنافسها فيه. أحيانًا تدور في البيت تائهةً، باحثةً عن أبعد ركن عنها، تنزوي فيه ثم تكره نفسها لهجرها صغيرتها."
تشعر الأم أن رضيعها شئ غريب تهابه تجهل كيف تحبه و تطمئنها أمها أن الحب في قلبها لكنه غريب و لم تجربه من قبل،
ثم تسأل ميرنا :
❞ هل الألم هو الحب؟ هل هو البكاء المستمر وحِملٌ لا يبرح القلب؟ ترفع رأسها لها بعين دامعة، وتهز رأسها إيجابًا.. غير موافقة، لكن لا تملك سوى التمنِّي أن تكون هذه الحقيقة. ❝
هل كل هذه المعاناة تجعل كل أمرأة تفكر قبل أن تقبل على الإنجاب ؟ تسأل نفسها هل هي قادرة و مستعدة؟ مطمئنة أن من معها سيحمل همها لا يتركها تواجه الطوفان لوحدها إن غرقت و يهرب هو؟
بل بعد أن قرأت أكثر من عمل في هذا الإطار ظهر على السطح فكرة " اللاإنجابية " ربما تتسع و تنتشر خصوصًا فيمن يحمل جينات وراثية معطوبة فإن أفضل ما يقدمه لأولاده ألا ينجبهم.
هناك عدة ثنائيات أبدع فيها الكاتب أهمها ثنائي سارة و القط هوني بلو و حديث عن حياة الحيوان و كيف يعيش حياته ببساطة ليتنا مثله، هنا تتعجب من حياة القط الذي تركها من أجل الحب ثم عاد بعد فترة :
❞ استيقظت سارة على كفه الصغيرة على خدها، يلومها أنها لم تدللـه طوال أسابيع غيابه! مسحت سارة شعره الناعم، وتمنت لو كانت مثله، أو حتى بنصف حريته، يهرب مما يكره ويعود لطلب الحب دون حرج. يرحل حين يود الرحيل، ويعود حين يشتاق دون تردد. يتمسك بالحب بمخالبه، وحين ينتهي يذهب دون شعور بالذنب، ولا أحد يلومه، لا أحد يمصمص شفتيه متأسفًا على حال المسكين. همست سارة له
- أنت أمنيتي. خرجت من رسمتي وأنا طفلة، وفيك كل ما ينقصني. ❝
ثم ثنائي سارة و أرسلان الذي شعرت تجاهه بالحب رغم أنها تجهل مشاعرها و تعجز عن التعبير عنها و لا تفهم نفسها لكنها بحاجة له :
❞ أنا لا يفرق معي شيء لو أمضيت بقية حياتي وحيدة لن أكون حزينة. لكن أرسلان يريد أن يكون معي، وأنا أحبه، لذا أريد أن أكون معه كي لا يكون حزينًا. أنا أحبه، لكنني لا أشعر بالحاجة لأن أكون معه. أحيانًا أنساه، أحيانًا لا أنتبه أنني لم أكلمه أيامًا، وحين نعود للحديث يُخبرني أنه حزين. لا ألاحظ هذا دومًا، لكنني لا أريده أن يكون حزينًا. لا أريده أن يكون حزينًا. أرسلان إنسان جيد، ويحبني، ولا أريد أن يكون حزينًا، لا أعرف كيف لا أجعله حزينًا، لا أعرف كيف أتوقف عن نسيانه والتركيز فيما أفعل. لا أعرف كيف أفكر فيه وأنا أرسم، أو أكتب، أو أقرأ الخرائط التي أحبها أعرف أن الآخرين يقدرون على هذا، يمكنهم الحب طوال الوقت ❝
هنا سارة تعيش صراع كبير بين حبها لأرسلان و بين فهمها لطبيعة حالتها و قلقها إن أنجبت أطفال فهل يكونوا مثلها؟ فهي قادرة على التعامل مع حالتها لكن الأطفال صغار يعجزون عن ذلك.
هناك فقرة طويلة في العمل على لسان سارة تتحدث بتلقائية، ربما أعدت قراءة هذه الفقرة مرات عديدة تلخص وصف حالة كل من أصيب بالتوحد تدفعني للبكاء.
ذكرني هذا الثنائي بالفيلم العظيم لتوم هانكس " Forrest Gump " يعبر عن قوة الإرادة و كيف تتغلب بها على أي نقص في المهارات الأساسية و أرشحه للأصدقاء.
هناك صراع آخر تدخله الأسرة معًا من أجل إيجاد علاج لسارة التي تقع في فخ الدكتور فاروق الذي يدّعي قدرته على شفاء تلك الحياة عن طريق إعادة الإنسان لحالته الأولى الطبيعية، لكنه في حقيقة الأمر هو يحول كل مريض إلى صورة من نفسه و يتحكم فيهم، ثم تحاول الأم أن تخوض حربًا أخرى لإنقاذ إبنتها من براثن مشروع دكتور فاروق.
في النهاية أحب أن أشيد بتجربتي الثانية مع إسماعيل وهدان و هي التجربة الوجدانية الثانية و قدرته على ملامسة شعورنا من الداخل بسرده السلس و العميق و لغته السهلة و العذبة.
دائمًا ما أرى أن الكاتب المبدع هو فريق عمل كامل لكل عمل درامي، لذلك هناك أعمال روائية تصبح أكثر متعة من مشاهدتها على شاشة السينما فقط أبحث عن كاتبها.
#ريفيو_على_أدي ..
#مسابقات_مكتبة_وهبان
#مسابقة_ريفيوهات_الملف_المحجوب_للحالة_آدم
#ماجد_شعير ..



















