عكس اتجاه الصخب
الكاتب عمرو دنقل ــــ روائي وكاتب من مواليد محافظة سوهاج.
مؤلفاته: نادي الأربعين ـــــ ڤيلا القاضي.
دار إشراقة للنشر والتوزيع
إن أهم سؤال يطرحه القارئ على نفسه، بعد قراءة أي نص أدبي هو: هل ترك في النفس أثرا لا ينسى، وهل هذا الأثر الذي تركه، ناتج عن فكرة من الفكر، أو عن سلسة من الحوادث، أو عن شخصية من الشخصيات، أو عن صورة لمجتمع في فترة معينة، أو لجماعة من الجماعات.
فالنصوص نوعان: نص تخرج منه متغيرا ـــ يملك عليك نفسك من جميع جوانبها، نص يستأثر بإحساسك وتفكيرك، نص يأسر لبك ويشغل فكرك ـــــ ونص عكس ذلك، والنص الذي يتركك كما أنت ليس نصا جديرا بالقراءة أو الانشغال به.
والنص الأدبي الذي بين أيدينا، يندرج بجدارة تحت النوع الأول، بداية من عنوانه، مرورا بطريقة السرد، منتهيا بخاتمته.
فعنوان الرواية هو العتبة الأولى ودليل القارئ إلى النص، وهو نتاج النص، وله أهمية كبيرة في تشكيل الخطاب الروائي، خاصة أنه يشكل الرسالة التي يسعى المؤلف لنقلها إلى القارئ، ومن ثم فلابد أن تتوافر فيه شحنات دلالية مكثفة، تجعله قادرا على حمل الرسائل الكامنة في النص.
و(عكس اتجاه الصخب) عنوان غامض وجاذب، وعمق ذلك الشعور إهداء الكاتب: (إلى كل إنسان قرر يسير عكس اتجاه الصخب) والصخب في معناه اللغوي هو: ضَجِيجاً نَاتِجاً عَنِ اخْتِلاَطِ الأَصْوَاتِ وَارْتِفَاعِهَا وَجَلَبَتِهَا.
وقد جاء تفسير المقصود من العنوان على لسان الشخصية الرئيسية "طاهر محمد علوي" عند خروجه من ميدان التحرير مقررا خروجه من الضجيج ليواجه نفسه قبل أن يواجه العالم بقوله: (حددت طريقي عكس اتجاه الصخب) مع أنه في حقيقة الأمر كان يخرج من صخب ليقع في صخب أكبر منه.
قال أهل البيان في أهمية السطر الأول: من البلاغة حسن الابتداء، ويسمى براعة المطلع. وهو أن يتألق المتكلم في أول كلامه.
ويقول الفيلسوف باسكال: إن آخر شيء تجده عندما تؤلف كتاباً هو أن تعرف الشيء الذي يجب وضعه في البداية.
وكتب الأديب الروسي ايفان بونين: الرواية الجيدة تبدأ بجملة حقيقية. حقاً أن الجملة الأولى لها الدور الحاسم، فهي التي تحدّد في المقام الأول حجم العمل وصوته ككل.
وكان الاستهلال في هذه الرواية " قتلت البدينة " لافتا ورائعا، حيث يعلن البطل اعترافه بقتل " البدينة "، فالكاتب اختار أن يتجاوز البدايات التقليدية، وأن يبدأ من الذروة لا من التمهيد. فينجذب القارئ راغبا في معرفة من هي " البدينة" ولماذا قتلت؟
اختار الكاتب أن يقدم شكلا سرديا ذكيا ومخادعا وغامضا غير الشكل السردي الكلاسيكي المعروف، فعالم الرواية عالمٍ غير مألوف، بل هو فضاءٍ مضطرب، يختلط فيه المتخيل بالحقيقي، وتتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والذاكرة بالاختلاق.
ويستند السرد إلى مصدرين:
الأول وهو المنقوش في ذاكرة البطل وهو يخص فترة الطفولة والصبا وجزءا من المراهقة، أما الجزء الثاني فهو ما دونه في الأوراق وفي المنتصف يبقى الجزء المفقود وهو الذي يسعى لاستكشافه.
وحيث أن الرواية رحلة في عقل البطل، فلم يحتاج الكاتب إلى وجود شخصيات متعددة، واعتمد بشكل أساسي على البطل الرئيسي د. طاهر محمد علوي، الذيً يعاني من فقدان جزئي للذاكرة، ويحاول اكتشاف ذلك الجزء المخفي من تاريخه (بدأت الذاكرة في الغروب منذ وقت بعيد، لم تمت كليا، أتمكن من استدعاء بعض الاحداث دون غيرها)، وهي شخصية شديدة التركيب، فهو شخص مضطرب لكنه مثالي، يرى نفسه صاحب رسالة ( مخلص).
وتنقسم الرواية إلى ثلاثة أقسام سردية. يروي لنا القسم الأول بطل الرواية، طاهر محمد علوي، أما القسم الثاني فيرويه محاميه، واخته ويأتي القسم الثالث على لسان زوج أخت طاهر.
وقد يشعر القارئ بشيء من الإنهاك أو الحيرة، فما يطرحه طاهر، ينفيه المحامي، وما تذكره اخته، يأتي زوجها بخلافه، وهذا أمر مقصود. فالنص يريد للقارئ أن يتعثر، وأن يفقد يقينه، وأن يبحث عن أرض صلبة فلا يجدها. هذا ما يجعل الشكل السردي للرواية أكثر من مجرد وعاء، بل يصبح سمة ورسالة يشير إليها بطل الرواية حين يقول: (إن كل ما يحدث أو نتوهم حدوثه مهدد دائما بفرضية عدم الوجود. تخيلوا مثلا أن كل ما سمعتموه مني لا أصل له إلا في خيالاتكم).
(أنا لا أثق في الإدراك، بل إنني أكاد أشك في وجودكم، غير أنني سأتعامل مع ظني بأنكم واقع ملموس، فإن كنت موجودا بالنسبة إليكم فهذه أفكاري وهذا ما حدث، وإن كنتم موجودين فستستمعون).
تستحضر الرواية بعض الاحداث التاريخية، مشاهد الربيع العربي، فنرى صورا بانورامية لأحداث ثورة يناير 2011، وتعيد إنتاج مشاهد من حرب العراق، وسجن أبو غريب، وتعود إلى زمن عبد الناصر والنكسة، لا لأن الرواية تريد أن تستعرض التاريخ، بل لأن عقل البطل نفسه صار مثقلا بالهم الجماعي، والماضي العربي الذي يعج بالهزائم والقمع والأحلام الضائعة.
إن رواية (عكس اتجاه الصخب) ليست فقط حكاية غامضة ومثيرة عن رجل مضطرب نفسيا وارتكب جريمة قتل، بل هي رواية نفسية فلسفية، تستعرض تأملات الإنسان حين يفقد نفسه ويصبح سجينًا لعقله ولأفكاره المثالية.
فطاهر لا يبدو في نهاية الرواية مجرد مريض، بل صورة مكسورة لإنسان عربي حمل أكثر مما يحتمل ثم وجد نفسه في النهاية وحيدا، يحدق في وطن لم يعد يعرف هل يريد خلاصه أم يريد الهرب منه. أن يتماهى مع الصخب، أم أن يسير عكس اتجاهه.
#د.ماجد_رمضان

