لم اشعر بالخيبة فقط حين انهيتها بل بالغضب أيضا.
❞ قلت له إننى لم أكن أعرف أنها خطيئة. لا أعرف ما هى الخطيئة. لقد أخبرونى فقط بأنى كنت مذنبًا، كنت مذنبًا وكفرّت عن ذلك، ولا يمكن لأحد أن يطالبنى بأكثر من ذلك.❝
<b> الغريب؟</b>
ليس جديداً أن يستعمل المفكر أو الأديب الرواية تجسيداً لمعتقده ، لكن كامو يجبر اعتقاده في الرواية ليخرج لنا بشخصية مسخ معتله ذهنياً ، الغريب ليس غريباً لأنه لا يشبه الآخرين .. هو غريب لأنه ليس طبيعي ولا سليم الذهن .
كيف ؟ كامو مثل أبناء جيله عدمي ويزيدهم بأنه عبثي بمعنى أن القدر و الحياة مجرد مصادفات توافقية لا معنى ولا مغزى منها ، لذلك يصنع بطلاً لا يهتم بشيء ، محايد في مشاعره ، احساسه الوحيد نابع من الجسد .
❞ سألنى حينذاك إن لم يكن يهمنى أن أغير حياتى. قلت له إن المرء لا يغير حياته أبدًا وإن كل أشكال الحياة تتساوى على كل حال، وإن حياتى هنا ليست مضجرة على الإطلاق. ظهر عليه الاستياء وقال لى إن ردودى كلها صادمة تجانب الصواب واللياقة، وإننى رجل بلا طموح وإن ذلك أمر له آثاره السيئة فى عالم الأعمال. عدت بعدها لأستأنف عملى ❝
لكن كامو يفشل حتى في غريبه ، لأن البطل الذي يتذكر الأكل حين يجوع فقط لا تفارقه الشهوة الجنسية ، البطل الذي لا يهتم ان ماتت أمه أم عاشت يهتم كل الإهتمام بغضب مديره في العمل ، البطل ليس لديه سبب ليفعل أي شيء.. لكنه سيلحق امرأة رآها في المطعم سيتتبعها ليلاً حتى يفقدها ! ، سيمشي إلى الجزائري الهارب منه وسيقتله برصاصة ثم يشوه جسده بأربع أخريات .
❞ أما أنا، فبقيت فى المنزل لأقص على المرأتين ما جرى. كانت زوجة ماسون تبكى وبدت مارى شديدة الشحوب. أزعجنى ذلك لدرجة أنى لم أكن قادرًا على مواصلة الحديث. انتهى الأمر بأن سكت عن الكلام وأخذت أدخن متطلعًا إلى البحر. ❝
جزء من فلسفته.. الآن بعد اللامعنى تأتي الأخلاق! ، حر مالم تضر .. لكن مالذي يلزمني إن لم يكن لهذه الحياة اصلا معنى؟ الألم .. لكن ما قيمة ألم الآخرين؟ لن يجيب كامو .. تجيب الرواية همساً لا شيء .
<b>أم الغرباء ؟</b>
الشخصيات وظيفية تعمل لخدمة البطل ، فأي رجل سيجلس ليشكي لرجل صموت عن كلبه الهارب؟ وأي شاب يرغب بأن يكون له صديق لا يدري ان كان يرغب بالصداقة؟ وأي امرأة تقترب من رجل يقول لها صراحة لست متأكد من حبي لكِ ولست مهتماً بالزواج منكِ؟ استاذ كامو رجل عقيدتك يحتاج مخبولين حوله .. لأن الأشخاص في الواقع لن يلتزموا بروابط عاطفية شفافة مع شخص أقرب للبهيمة .
❞ غمغمت قائلة إنى رجل غريب الأطوار ومن المحتمل أنها كانت تحبنى من أجل هذا، لكنها من المحتمل كذلك تكرهنى يومًا ولنفس السبب. لكونى بقيت صامتًا لأنى لم أجد ما أضيفه فقد تأبطت مارى ذراعى مبتسمة وقالت إنها تريد أن تتزوجنى، فقلت لها إننا سنفعل ذلك فى أى وقت تشاء. ❝
وجب التنويه أيضا بأن الأحداث الحتمية في النص هي وفاة ام البطل فقط أما بقية الأحداث الواقعة فهي اختيارات و أفعال الشخصيات لذلك وقوف البطل أمامها عاجزاً عن تحديد موقفه أو حتى شعور يبدو فعلا مشكلة في العقل لا اعتقاد بخلو أقدار الحياة من المعنى .
<b>المحكمة حيث يحاسب المؤلف شخصيته: </b>
❞ وقال المحامى، مشمرًا أحد كميه فى لهجة حاسمة: "ها هو تصورنا عن هذه القضية، فكل شىء حقيقى فيها ولا شىء حقيقى أيضًا!". ❝
في مشاهد المحكمة يظهر بوضوح محاولة كامو لطرح سؤال هل قتل ( العربي ) أم مات بيد القدر الذي جعل الشمس تغلي مخ البطل المسكين ؟ ، أعلم .. وابشرك كامو أيضا يعلم لهذا يقرر بأن الجزاء من جنس العمل بعدما ينطق على لسان القاضي بأن لولا الفضيلة بكبح حرية الفرد لما استطعنا الحياة.. التي هي بلا معنى يعني، تلك المشاهد وضعت أيضا ليواجه البطل القساوسة، أن لا يستشعر الموعظة لأن هناك ذبابة تحوم في الغرفة! ، ثم أيضا هذه المشاهد موجودة ليحكي كامو عن آمن وطنه الأم .. فأغلب المساجين عرب والعمال الفقراء عرب ، ويفترض بذلك أن يكون كامو عادلا في تصويره محباً لطوائف المجتمع!
<b>الغريب المحتل : </b>
❞ وقالت مارى إنها تحب أن ترى باريس، فأخبرتها أنى قد أقمت فيها بعض الوقت، فسألتنى أن أصفها لها. فقلت لها: "مكان قذر، يعج بالحمام والأفنية المظلمة. والناس هناك بيض البشرة". ❝
شخصيات الرواية كلها فرنسية إلا القتيل الذي ليس له اسم حتى ، وكل تلك الشخصيات تنتمي إلى الجزائر لا إلى فرنسا ! ، لكن الجزائر التي ينتمون لها ليست الأرض أسفل أقدامهم بل تلك التي في خيالاتهم .. في خيال كامو ، يعتبرها أرضه البكر التي بلا تاريخ ولا تقاليد ، لهذا لن يعيدها لك! ، سيسمى الجزائري عربي فقط! وستسمى المغربية على أرض الجزائر موريسكية! .
❞ قلت من دون أن أنتقى كلماتى، إنى لم أكن قد نويت قتل الشاب العربى، أجاب الرئيس بأن ذلك مجرد قول، وأنه حتى الآن لم يكن يفهم جيدًا منطقى فى الدفاع، وأنه يسعده، قبل أن يستمع إلى ممثل الدفاع عنى، أن يتيح لى فرصة إيضاح الدوافع التى أدت بى إلى اقتراف جريمتى. قلت بسرعة، بشىء من التشويش، مدركًا لما ينطوى عليه الموقف من سخرية، إن ذلك حدث بسبب الشمس. ❝
كامو المؤمن بأنك حر مالم تضر لا يستطيع الإقرار بوجود دولته المضر على هذه الأرض منذ ١٣٠ سنة ، بل أنه يعادي المقاومة الجزائرية بدعوى العنف و القتل! ، ألبير كامو يعتبر الدولة الفرنسية في الجزائر أرضه.. وبهذا الشكل فقط يجب أن تكون الجزائر! ، لهذا في الرواية يصبح الفرنسيين سكاناً اصليين وهؤلاء العرب مجرد طبقة فقيرة من طبقات المجتمع الذي صنعوه هم! ، ثم يقدم لك محكمة عادلة يدفع فيها الدم الفرنسي مقابل الدم العربي .. لكنه ليس دم عربي فقط ! هذه جريمة بحق أهل الأرض بسلاح المحتل ولا تنتهي هكذا .. سنتنهي بعد موت كامو بسنتين ، ستلحق به دولته الاستعمارية إلى ذات القبر .
ومن اللطيف هنا أن المترجم - الذي أحب ترجمته والذي لم اقرأ ترجمة محمد ايت حنا لأجل ترجمته هو - في مقدمة الرواية يمجد في حب كامو للجزائر و ارضها وبحرها .. وهذه التجاهل ليس فريداً فالحداثيون العرب مثله يجرون الجمل بما حمل .. وللأسف لا يمكن فصل الفلسفة عن الفيلسوف فإذا كان هو لا يؤمن بما يقول كيف يريد أن نصدقه نحن .. أي جزائر تلك استاذ عصام عبد ربه التي يعشقها كامو؟ لا أعتقد أنها جزائر الموريسكيين.
