قلق مستعمل
رحلة إلى دروب السكينة
Alaa Ahmed
140 صفحة
المحرر للنشر والتوزيع
2025
خمسة عشر فصلاً بين مقدمة وخاتمة، أربكني فيهم الكاتب حينما شرح أكبر مشاكلي بصيغة سلسة أثارت دموع عيني.
تذكرت في بعض الفصول عندما أكد لي طبيب القلب أنني لست مريضة قلب، وإنما مريضة بالقلق المزمن؛ ذلك المرض الذي كاد يسبب لي نوبة قلبية في أحد أيام العيد الصغير منذ عام.
وفي فصل آخر شرح لي لماذا تحدث لي نوبة الهلع (Panic Attack) في نفس التاريخ من كل عام.
في مقدمة لا أقرؤها عادةً، بدأها الكاتب ليعترف ويطمئن ويواسي القارئ بأنه ليس وحده من يقلق، فهو أيضاً قلوق، فقال: "أعيش كمن يسير على حافة السكين".
ثم يتبع كيف نرى هذا القلق وكيف نغذيه دون أن نشعر، كيف نجعله يلتهمنا ونجلس نقرض في أظافرنا خوفاً من قادم قد لا يأتي كما تخيلنا، بل بالعكس قد يأتي أحسن مما تمنينا يوماً لأن الأقدار تتغير باستمرار.
فقال: "القلق ليس اختراعاً حديثاً، بل هو رفيق الإنسان منذ اللحظة التي رفع فيها رأسه نحو السماء متسائلاً عن مصيره، لكن مع مرور الزمن ومع تطور المجتمعات تحول القلق من كونه إحساساً لحظياً بالخطر إلى شعور دائم يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً".
ومع التعمق أكثر في الكتاب، يبدأ الكاتب بالتسلل أكثر إلى داخلك فتعترف له أثناء القراءة بما يجعلك أكثر قلقاً، مثلما اعترفت أنا؛ فكشفت عن أحد أسراري في الخوف على أطفالي مما قد يحدث لهم في مجتمع أصبح أكثر وحشية وأقل اقتصادياً، فالعنف أصبح مباحاً من كثرته، والعمل أصبح شحيحاً بسبب ظروف الاقتصاد الأخيرة.
وأوضحت أني أخاف البوح لأحد يتهمني بأني أتوهم أو أتنبأ بأسوأ الظنون، فقال: "القلق لا يختلق دائماً أوهاماً، بل هو أذكى من ذلك؛ إنه يأخذ حقائق صغيرة، مواقف يومية عادية، ثم يضخمها، يربطها بسيناريوهات كارثية، ويضعك أمام مشهد مستقبلي مخيف يبدو لك وكأنه أمر لا مفر منه. أنت لم تخطئ كثيراً، لكن القلق يقنعك أنك فعلت".
فجعلني أستريح وأبوح أكثر من ذلك؛ بأني أريد العيش على راحتي، وأتحرر من كل زلاتي وأخطائي، وأن يقبلني الجميع كما أنا، وأسمع منهم: "لا تخف، نجوت..". فقال لي: "النجاة ليست أن نكون بلا أخطاء، بل أن ندرك رغم كل شيء أننا لا نزال هنا، لا نزال قادرين على الماضي، ولا يزال يحق لنا أن نسمع، حتى لو كان الصوت من داخلنا".
فنظرت للكتاب طويلاً وسألته: إذاً أنا من يجب أن أقول لنفسي لا تخف؟ فقال: بل وأكثر من ذلك، أن تؤمن بأنك نجوت 🥹.
"فكم مرة انهرت خوفاً من شيء لم يأتِ؟ كم ليلة سهرتها تفكر في كارثة لم تقع؟ كم مرة كنت على وشك أن تفقد نفسك لأن عقلك أقنعك أن الأسوأ قادم، لكنه لم يأتِ؟"
فحينها، وحينها فقط، "تعلمت أن طاقة الألم أكبر من أن تنفق على التفاهات، فقد تأتي قواصم الظهر يوماً...". وهنا تذكرت يوماً لا أستطيع نسيانه ولا تخطيه حتى بعد مرور خمس اعوام، وأقسم أنه لو مر عليه ألف عام لظللت أتهم نفسي بالتقصير فيه، وهو يوم وفاة والدي أسأل الله له الرحمة الواسعة.
دوماً ما تصيبني في هذا اليوم حالة من الاختناق فلا أستطيع التنفس، شعوراً مني بأني لا أستحق هذا النفس وأنا تلك الابنة المتأخرة عن وداع أبيها بعد موته، المدعية له البر في حياته...
وهنا رأيت صفحات الكتاب تتشكل في صورة أبي وتضمني بقوة إلى أضلعه، وتذكرني بحالة الشلل التي أصابت أطرافي لمدة ساعة كانت سبب في تغسيل أبي وتكفينه دون وداع منى، فحُرمت من آخر نظرة له وحُرمت من آخر قبلة تتلامس فيها شفتاي مع جبهته.
فأقسمت لأبي أني عند سماع الخبر نسيت... نسيت أين يسكن هو وأين أسكن أنا، وكيفية الوصول إليه، ولهذا انتظرت أن يأتي زوجي ليقلني حتى أُسلمه إلى مثواه الأخير. ❤️🩹
وهنا فقط تحولت الصفحات مرة أخرى إلى الكتاب وقال: اكتبي، لا تتركي كل هذا بداخلك وحدك، تشاركيه مع غيرك، وإن لم يكن أحد مهتم فاجعلي "الكتابة كأداة لاستكشاف المشاعر وليس كوسيلة لقمعها".
وأتى لي ببعض من سير القلقين حتى يعزز لدي نصائحه الغالية، فأغلقت الكتاب بعدها وأنا أرحب بصديق جديد عزيز وحكيم.
من أجمل ما عزز هذا الكتاب ذكر المنظومات الدفاعية في الإسلام والمسيحية واليهودية لمحاربة القلق فاثقلت من حكمة ولُطف العمل.
الكتاب باللغة العربية الفصحى السلسة المميزة جداً والمحببة إلى القلب عند القراءة، فلا تجد فيها ألفاظاً مقعرة ولا نصائح واهية أو تمارين كتابية دون أن تستفيد بها لمجرد ملء صفحات أكثر للكتاب.
أرشحه بقوة للقراءة والاقتناء وتكرار الرجوع إليه عندما يصيبنا بعض القلق المتعايش معنا يومياً.
#قلق_مستعمل
#علاء_أحمد
#المحرر_للنشر_والتوزيع
#ما_وراء_الغلاف_DoaaSaad

