فوق رأسي سحابة > مراجعات رواية فوق رأسي سحابة > مراجعة Adel Mostefaï

فوق رأسي سحابة - دعاء إبراهيم
تحميل الكتاب

فوق رأسي سحابة

تأليف (تأليف) 3.5
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
4

فوق رأسي سحابة - دعاء إبراهيم

الرواية ليست مجرد قصة، إنها مرآة لقلق الإنسان وأحياناً اعتراف خفي بالحياة، أو الموت.

هذه الرواية هي قصة الطفولة التي جُرّدت من أحلامها البسيطة و جعلتها تقفز بجسدها و روحها إلى عالم آخر، عالم يبتسم فيه الرجال، و توضع فيه الأسماك الصغيرة و البريئة في مواجهة الغربان السوداء. نقرأ و نكتشف تلك اللحظات التي لم يراها أحد و تلك الدموع التي لا يعرف ذوقها احد، و تلك الكلمات التي يرفض الجميع سماعها. لأنها مجرد كلمات لـ سمكة صغيرة، لا تستطيع النجاة حتى و ان كبرت و صارت تمتلك من القوة ما يجعلها تنجو، على حساب الآخرين و جثثهم. لم تكن سوى طفلة، تحولت من فريسة لأنياب الرجال، إلى شريكة الغراب من فوق السحاب.

تعيش "نهى" طفولة قاسية وسط أجواء عائلية صعبة تغلب عليها الصدمات المتكررة والتي تتحول لاحقاً إلى سلوك إجرامي ممزوج بحالة نفسية معقدة. فوق رأسي سحابة من النصوص التي تجذب القاريء من أول الصفحات والتي تمزج بين السرد الاجتماعي و التأملات الفلسفية في طبيعة الإنسان العنيفة. تدور القصة حول " نُهى " و استعادتها لطفولتها القاسية و ترابطها مع التحولات النفسية اللاحقة، و دورها في سلوكها الإجرامي ومعاناتها النفسية.

« لا يمكن للموتى أن يؤذوا الأحياء، و هذا افضل شيء في الموت »

مُذنبة؟ نعم ! مثلها مثل من رأى و سكت، من ظهر و رحل، من حضر و شمت. مثلها مثل شيطان أمها الأخرس و نظرات الخال المُتحرش، و أنياب الزمن التي لا تعرف الرحمة.

لا تمثل السحابة فوق رأس نهى رمزية الصورة الشاعرية، المعهودة، أو الماضي أو الغراب، بل الثقل النفسي والحالة النفسية المعقدة التي تتطور للتجاوز الطابع الروائي البوليسي التقليدي، نحو السرد النفسي التأملي. يمكن القول أن الكاتبة دعاء إبراهيم قد استطاعت أن تضع القارئ وسط هذه الرواية السوداء، كجزء من المسار الموجود، يتفانى في قراءتها و يحاول قدر المستطاع تتبع الأحداث مع نُهى كـ بوصلة نجاة، ملاحقتها بعناية، ليصل إلى محاكاة متوازنة مع الأحداث.

« هذه الأشياء المتفردة ترحل سريعاً و تبقى بلا اسم. »

ما يميز الشخصية الرئيسية ايضاً هو تعدد الأصوات الداخلية، و اعتماد الكاتبة على التنبيه المستمر بالقوقعة النفسية التي تحيط بها، بالإضافة إلى تقنيات التصوير و الاسترجاع الزمني المستمر. حيث لطالما كانت طفولة نُهى قصب الصنارة الذي لا يتوانى عن جذبها نحو الأم أو الخال أو حتى إلى ضحاياها لاحقاً في كبرها. مرات يكون الرجوع سلساً، مرات أقل سلاسة ( عن عمد ) كي يدفع إلى مزيد من التدبر. من جهة أخرى، قد يرى الكثيرون أن الظلامية النفسية والكآبة هو أكثر ما يميز هذه الرواية، وهذا ما قد يُولد شعوراً بالثقل في كثير من الأحيان، وهذا صحيح. إلا أن هذه السوداوية تلاشت مع القوة الفنية و التصويرية في مشاهد عدة في الرواية.

يمكن تقسيم مراحل تطور الشخصية كالاتي :

من مرحلة الطفولة، أم قاسية، أب غائب ، شعور مبكر بالوحدة ثم الصدمة النفسية، عنف أسري، شعور بالرفض، تراكم الغضب. ثم يأتي التشكل النفسي : عزلة ، فقدان الثقة، احساس بالذنب والظلم. بعدها تأتي مرحلة التطور : الاقتراب من الموت، والهشاشة البشرية. في الأخير يأتي التحول الدرامي : الانتقال من الضحية إلى المجرم.

وضعت الكاتبة لنفسها في الرواية، بعض المعالم ونقاط الارتكاز التي لابد أن تعوّد إليها كلما اضطرّها السرد الروائي لذلك، فتارة نجدها تستذكر قابيل و الغراب، الخال، المستشفى في مصر و تارة أخرى الطفلة صاحبة الاثنا عشر ربيعاً، والعائلة التي لم تكن سوى آلية للصدمات المتتالية.

لا تقتصر الرواية على سرد حكاية شخصية مضطربة نفسياً، بل تسعى إلى مساءلة البنية الاجتماعية والنفسية التي قد تنتج العنف الاجتماعي. من المذنب الحقيقي؟ ومن يتحمل المسؤولية ؟ من قتل من ؟ من يقتل من؟

« بالأسفل تحاول السمكات الصغيرات النجاة، طوال الوقت تحاول أن تنجو. تأكل لتنجو، تتكاثر لتنجو، تسبح لتنجو. ثم بعد كل محاولات النجاة تفشل في الشيئ الوحيد الذي تجيده. الشيء الوحيد الذي تعيش من أجله. تفشل في أن تنجو، فتموت. »

على العكس مما قد يبدو، فان المواضيع العديدة التي تتناولها الرواية، من العنف الاسرى، الاعتداء الجنسي، الإنتحار ، العدالة ، الجريمة و غيرها لا تُشكل عائقاً ولا ثِقلاً في بنية النص، بل بالعكس فقد أظهرت الشخصيات حول نُهى أنها قادرة على تفكيك العبء الذي قد يطرأ على السرد بالإضافة إلى تلك المرونة " الغريبة " التي جعلت من الشخصية الرئيسية، تنجوا من " عقدة " القراءة المُثقلة و " عقبة " التوازن بين النص و الأبعاد الاجتماعية والنفسية.

قد يكون عتابي على " نُهى"، أنها قد احتاجت إلى مسار سردي أطول، في صفحات أطول، حتى يمكنها التطور بسلاسة من طفلة ضحية لاعتداءات إلى قاتلة متسلسلة. لكي يستطيع القارئ فهم هذه الحالة النفسية المعقدة، عليه ان يجد مساحة كافية تسمح له بالتدبر و الفهم. إن بناء شخصية مثل نُهى يحتاج، حتماً، إلى كم هائل من الوقت والجهد والتعمق بالتوازي مع الإبداع التصويري والتحكم الفني، هذان الأخيران، تمكنت الكاتبة من تحقيق قدر كبير منهما في فوق رأسي سحابة.

في الأخير، تستحق نُهى كل الانتباه والتمعن والتقدير، مثلها مثل من كتبت عنها.

عادل مُصطفاي

Facebook Twitter Link .
1 يوافقون
اضف تعليق