فتيات الكروشيه > مراجعات كتاب فتيات الكروشيه > مراجعة muhammed srour

فتيات الكروشيه - جيلان الشمسي
تحميل الكتاب

فتيات الكروشيه

تأليف (تأليف) 3.8
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
5

مجموعة فتيات الكروشيه للكاتبة جيلان الشمسي، قصص قصيرة مزجت بين الواقعية والفانتازيا في إطار فلسفي لافت. أحب هذا النوع من الكتابات. تلك الكتابة التي تكشف لنا وتعري ذواتنا الهشة. تتحرك الحياة فيها على أطراف خيط رفيع، كما لو أن كل شخصية حجر في قاع حمام سباحة يحاول الطفو. هناك هشاشة الإنسان، وهناك صراعه المستمر للبقاء، لكل نفس أخير، لكل شعور بالانتماء أو فقده، ولكل حب ينتظر أو يخسر. التفاصيل اليومية، تلك الصغيرة والبسيطة، تتحول تحت قلم الكاتبة إلى مرايا للروح، تكشف القلق المخفي، الهواجس، والخوف من اللامعلوم، فتفتح أبوابًا على أسئلة الوجود الكبرى: الفقد، الهوية، الزمن الذي يدور بلا توقف.

يتجلى وعي الكاتبة أيضاً في زعزعة يقين شخصياتها. معظم الأبطال يعيشون حالة من الشك الدائم: هل حدث هذا الموقف من قبل؟ هل هي السيارة نفسها أم أخرى شبيهة؟ هذا التردد يفتح النصوص على تأويلات متعددة، ويعكس الاضطراب الداخلي للشخصيات. وكأن الكاتبة تريد أن تقول لنا إنه لا شيء مؤكد في هذه الحياة، حتى الموت ليس نهاية مطلقة، فهناك من يعود منه. وهكذا نلمس رؤيتها وفلسفتها العميقة للحياة."

تتحرك شخصيات المجموعة في فضاءات تبدو مألوفة — قطارات، نوادٍ، شقق سكنية، حافلات مدرسية — لكنها سرعان ما تنقلب إلى مسارح للقلق واللايقين. في قصة «الرجل ذو البدلة الرمادية» مثلاً، يتحول القطار إلى فضاء نفسي مغلق يعكس اضطراب السارد، حيث تتلاشى الحدود بين الفعل المتخيل والحدث الواقعي. تعتمد القصة على تقنية الالتباس السردي، إذ يظل القارئ معلقاً بين احتمال وقوع الجريمة فعلاً أو كونها نتاج وعي مأزوم. هذا التردد يجسد أحد المحاور المركزية في المجموعة: هشاشة اليقين الإنساني.

تميل اللغة في المجموعة إلى الاقتصاد والتركيز، مع اعتماد واضح على التفاصيل الحسية الصغيرة التي تبني جواً من التوتر المكتوم. تنجح اللغة في نقل الأجواء الضبابية التي تميز المجموعة، حتى ليشعر القارئ بتسلل البرودة إليه ويرى سماءً غائمة فوقه.  حتى في قصة العودة  من الحافة - التي تدور أحداثها في حارة - يتولد إحساس بأنها حارة في مدينة ثلجية. وعلى الرغم من حضور شمس أغسطس وحرارتها اللاسعة، تبقى الضبابية مسيطرة على روح النص. إلا انها لا تفصلك عن روح المجموعة، تلك الضبابية تظل في روحك. الشمس فوق رأسك والضبابية في روحك. خط ممتد عبر المجموعة، نجحت اللغة في نقله وترسيخه.

عدة ثيمات تناولتها المجموعة وكأنها تجربة وجودية ممتدة. كالفقد والوحدة والخوف. اختفاء الحافلة في إحدى القصص، وعودة شخصيات من الموت أو التباس الأزمنة، كلها صور تعبر عن قلق عميق تجاه استقرار العالم. هذا القلق يتجسد عبر مفارقات هادئة ولحظات عبثية تجعل اليومي نفسه غريباً. هنا تقترب المجموعة من تقاليد الواقعية السحرية، مع استمرارية شد السرد إلى تفاصيل ملموسة تمنح الفانتازيا صدقيتها.

بعض القصص تأتي كضربة مطرقة تهوي على الرأس، فتزلزل وعي القارئ وتدفعه إلى إعادة قراءتها وهو ما يزال تحت وقع الصدمة. من أبرز هذه القصص: «الفتاة ذات الشعر الأزرق»، و«الرجل ذو البدلة الرمادية»، و«فتيات الكروشيه»، و«فستان زفاف بلون زهرة البنفسج»، و«نحو حياة أخرى»، وهي قصص تمثل، في تقديري، ذروة المجموعة.

في مجملها، تكشف فتيات الكروشيه عن صوت سردي واعٍ، يراهن على زعزعة المألوف وكشف القلق الكامن تحت سطح الحياة اليومية، تاركة أثرًا طويلًا في ذهن القارئ، وكأنها تقول: حتى في العادي، في التفاصيل الصغيرة، هناك حياة كاملة، هناك هشاشة وجمال، وهناك أمل دائم في الفهم والوجود.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق