"بلاد جان...ومحاولات النجاة المستمرة"
في قراءة أولى للكاتب"أحمد فريد المرسي" وروايته "بلاد جان" والصادرة عن "مجموعة بيت الحكمة للثقافة"، يأخذنا الكاتب في رحلة مكانية ونفسية في آن، بين "سراج و رجا و عمر ودرية" وبين "القاهرة وأسوان وباريس و أبيدجان" تضافرت خيوط الحكاية
«لست منتصرًا؟ ربما، لكني لن أعيش مهزومًا بالتأكيد، لن أستسلم، سأنجو. ما زال مني ما يريد الحياة.»
تبدأ الرواية مع البطل "سراج" الإبن الوحيد لأبوين على طرفي نقيض في الطباع والمبادئ، جمعهما فقط التوافق الأسري في البداية، وسراج حين ولد فكان الخيط الوحيد الذي حمى الأسرة من التفكك إلى حين، يعاني سراج على طول حياته من تسلط الأب ومحاولات الأم للنجاة بوحيدها من براثن عادات وتقاليد بالية، يرى فيها الأب إبنه مجرد ظل له، إمتداد لأحلامه غير المحققة وإن رفض، وأي محاولة من الإبن لعيش حياته وفقاً لأحلامه تقابل بإعلان الجحود أو يجبن الإبن ببساطة عن المصارحة، وبين طرفي سناد عاش سراج طوال حياته حتى التقى ب"درية" حب عمره، وبدأت مرحلة جديدة من حياته، فهل كان القدر رحيماً به ليعوضه عن نشأته الجافة؟؟
«الصمت يفكك تعقيدات الحياة، بينما الوحدة تفرض إعادة تركيب العالم»
يخطو سراج أولى خطواته العملية بعد زواجه من درية بسويعات، كمراسل حربي في أهوال البوسنة والهرسك كان التحول الجذري في حياته، فما لاقاه هناك جعل منه شخصاً صموتاً يعاني من اكتئاب واضح، تزامن ذلك مع تغيرات حياتيه متسارعة تخص عائلته، فكان الصمت، وكان إعادة ترتيب الحياة
«إذا أردت مني أن أساعدك لا بد أن تراني كمرآة لا تنعكس عليها ملامح وجهك إنما تعكس لك ملامح أحاسيسك وأفكارك، المرآة لا تهذب شاربك أو تمشط شعرك، أنت من عليه أن يفعل ذلك، المرآة تجعل الأمر أسهل.»
في محاولة أخيرة لإسترجاع نفسه يسافر سراج إلى العاصمة الفرنسية باريس، متلمساً خطواته نحو التعافي وإستعادة نفسه وأحلامه القديمة، هنا تبدأ مرحلة العلاج النفسي وما تلاها من إعادة العلاقات مع الشخص الأهم في حياته.
❞ أكره مجريات أقداري لكنني برغم كل شيء لا أكره من أنا اليوم ولن أحب أن أكون شخصًا آخر غيري! لا أدري لماذا، لكني لم أفقد الأمل في الغد! لم تسقط أمنياتي من السماء بعد، لكني على يقين أنها ستصادفني يومًا ما. ❝
في أبيدجان كانت المحطة الأخيرة للبطل، نتعرف هنا على العالم السفلي لمدينة تعيش على حافة الهاوية، صراعات لا تنتهي على السلطة والموارد الأساسية للبلد، صراعات طبقية لا تنتهي، نتعرف من خلال البطل على عالم الملاهي الليلية، على الرغم من كل المساوئ إلا أن الكاتب وببراعة استطاع الحصول على تعاطفي لبغي "رجا" التي كان كل ذنبها أنها انساقت وراء الحلم بحياة أفضل لولدها، فكان السقوط
يخطو سراج خطوات سريعة في عالم لا يرحم، بعمله مع الصديق "عمر" في وسط كل همه الأموال وإعادة تدويرها، صراعات لا تنتهي...فكسف تكون النهاية؟؟
«فولتير على سبيل المثال قال إن السعادة في التوفيق بين المعرفة والمتعة، وبين العمل والراحة، واعتبر فوكو أن السعادة تعتمد في الأساس على أسلوب حياة الشخص وقدرته على إدارة حياته، في الواقع كلنا نحقق مقادير من الغنى والأمان والإنجاز وغيرها، لكن في رأيي أن ما يقتنع به الفرد ذاتيًا هو المعيار الأنسب لقياس مدى تحقق السعادة.»
فكرة فلسفية هامة ناقشها الكاتب في الرواية، ف السعادة نسبية بحته ولو وضع العالم كله مقاييس لها، ف النجاح هو الرضا عن المنجز مهما قل أو كثر، في تأقلم الإنسان مع معطيات حياته مع محاولاته المستمرة لتحسين جودتها، فكرة عميقة نوقشت بلطف شديد في الرواية
«الحياة جدلية دائمة لا تنتهي إلا بالموت، الخوف والأمان، القلق والاطمئنان، الأفراح والأتراح، أمواج تتضارب لكنها في تدفق دائم يسري من أين نجهل إلى حيث نخشى.»
فكرة فلسفية آخرى، ربما كانت الأخيرة والأقوى في الرواية، فمن منا لا يفكر طوال الوقت في جدوى الحياة؟؟ والمغزى منها؟؟ والى متى نقاوم؟؟؟ ومتى نرفع راية الإستسلام؟؟
رواية إجتماعية فلسفية بشكل مركز، استطاع الكاتب في صفحات لا تتعدى 290 صفحة في مناقشة العديد من الأفكار، بلغة رصينة وتعبيرات لغوية جميلة، فكانت الفلسفة بسيطة رغم قوتها، الأفكار مترابطة رغم كثرتها
رواية جميلة، مكتوبة بسلاسة وحرفية عالية، تنتهي في جلستين من المتعة الخالصة
تجربة أولى مع الكاتب، تشوق زائد لقراءة العمل الأول"منروفيا" في القريب

