(الشيطان يروي ذكرياته) تجربة كاملة من التخبّط داخل عقلٍ مضطرب، رحلة عبر متاهة من الأسئلة التي لا تبحث عن إجابة بقدر ما تبحث عن هزّ يقينك الداخلي.
من الصفحة الأولى تشعر أنك لا تقرأ رواية، بل تستمع إلى اعترافات كائنٍ يعبث بذهنك، يزرع الشكوك ثم يتركك وحيدًا في مواجهتها.
الكاتب لم يقدّم نصًا عاديًا، بل قدّم لعبة ذهنية محكمة الصنع؛ لغة فصحى سلسة، جُمَل قصيرة لكنها مُحمّلة بالكثير، أفكار تتشابك، أزمنة تتداخل، وشخصيات لا تدري إن كانت حقيقية أم مجرد انعكاسات لأصوات داخل الرأس!
الرواية قائمة على فكرة الرعب النفسي الخالص؛ ذلك النوع الذي لا يعتمد على صراخ أو أشباح، بل على أعماق النفس البشرية، على الهواجس، الذكريات، والخوف من الذات قبل الخوف من العالم.
هنا يصبح العقل هو البطل الحقيقي.. والعدو الحقيقي أيضًا!
فصول الرواية قصيرة وسريعة، لكنها كثيفة التأثير.. كل فصل أشبه بباب يُفتح على لغز جديد، وكل لغز يقودك إلى متاهة أعمق.
النصف الأول يمسكك من تلابيبك، والنصف الثاني يبدأ في العبث بكل ما ظننت أنك فهمته.
أكثر ما يميّز العمل هو قدرته على جعلك شريكًا في الأحداث؛ الكاتب لا يقدّم لك الحقيقة جاهزة، بل يضعك أمامها عاريًا، مجبرًا على التفكير، الربط، والتساؤل:
من الذي يروي فعلًا؟
ومن الذي يستمع؟
وهل نحن أحيانًا أبطال قصص لا تخصّنا؟
اللمحات الدينية جاءت في مواضعها بدقة، دون افتعال، وأضافت بُعدًا إنسانيًا عميقًا للنص، خاصةً في الحديث عن الفراق، الموت، والذكريات التي ترفض أن تُدفن.
أما النهاية...
فقد جاءت صفعة هادئة، تُغلق الكتاب وأنت لا تزال بداخله!
إن كنت قد قرأت للكاتب أعماله السابقة، فأنت تعلم أنك أمام قلم لا يكتب ليُسلّي، بل ليترك أثرًا حقًا.
سلمت يداكَ أستاذ محمد، وفي انتظار المزيد من هذا الجنون الجميل.
#ماهي_عاطف

