بلاد جان
Ahmed Farid
بيت الحكمة للثقافة - Baytelhekma
283
⭐️⭐️⭐️⭐️
في بلاد جان نتنقل في رحلة شيقة ما بين القاهرة وأسوان وباريس وبلاد جان في ساحل العاج مع بطلنا سراج المنشاوي في رحلته الكبرى بحثاً عن ذاته وتحطيماً لكل ما قابله من قيود في حياته في محاولة منه للوصول لعلاج تلك الندوب التي نالت من روحه وتركته حطاماً.
سراج المنشاوي خريج مدارس الجزويت والابن الوحيد لأب صارم عمل كرئيس لتحرير ومراسل صحفي سياسي اقترب من السلطة بدرجة كبيرة وآمن بالحركة الناصرية حتى النخاع وتلك الأم الارستقراطية التي تعشق الفن والشعر والرسم والحياة فكانت طوال حياتها كطائر حبيس قفص ذهبي حتى قررت الهرب من قفصها في بعد تخرج سراج من عامه الاخير بالجامعه فكانت صدمته الكبرى والتي توالت بعدها الصدمات وتراكمت حتى أصبح عاجز عن مواصلة حياته .
المتتبع لقلم الكاتب سيعرف عن مشروعه الأدبي والذي يبحث في الشأن الإفريقي ويتحدث عن ما تعانيه القارة السمراء من مشاكل اجتماعية وسياسية طوال الوقت وهنا تتفاوت القضايا في شدتها بحسب المكان فبينما ينظر البطل لأسوان كمرفأ أمان مازالت تعاني من الإضطراب والتناقض ممثلاً في عبد المولى الفتى الذي لا يهدأ وينبض بالحياة بالرغم من سوء الأحوال فقد كان أخ لخمسة تركهم ابوهم ومرضت الام فكان لزاماً عليه أن يعمل ويتنازل عن طفولته متشبثاً بأمل لحياة بالرغم من ضيق الحال ويتفاقم الأمر وصولاً إلى بلاد جان تلك البلاد الساحرة التي تعاني من الفقر والحرب والتمزق بالرغم من كثرت ثرواتها التي جعلتها مطمع للمحتلين وراغبي الثراء على حساب ذلك الشعب الرائع.
بالرغم من ان العمل يبدو سياسي الا أن يغلب عليه الطابع الإجتماعي الرومانسي والنفسي فطوال الرواية يصارع البطل ذاته لتخطي أزمته النفسية والتي حدثت حينما كان مراسلاً في سربرينيتسا ضمن قوات حفظ السلام والتي أدت فيما بعد لإنهيار زواجه من حب عمره درية والتي كانت نموذج المرأة الوحيد في نظره ففي نصف العمل الأول لم تكد الأحداث السياسية تذكر وحتى في نصفه الثاني حينما انتقل إلى بلاد جان بالكاد كانت الحرب والانقلابات يظهر أثرها بينما النصيب الأكبر كان لحياة الليل والنوادي التي كان يرتادها مع زميله المغربي عمر.
أحببت حديث الكاتب عن بلاد جان وسر تسميتها فتراوح المعنى ما بين أرض ورافة الأشجار كالجنة وما بين مدينة عجيبة يتلبسها الجان ليلاً ولعلها في رأيي الإثنان معاً فما بين الليل والنهار ينقلب حال المدينة للنقيض.
ينقسم العمل إلى ثلاثة أجزاء الجزء الأول منها رسائل إلى دستان والذي سيتضح أنه طبيب نفسي فرنسي لجأ له سراج بتوصية ضمن عدد من الأطباء كفرصة أخيرة يتشبث بها ليستطيع تخطي أزمته واستمرار حياته وبينما نجده يبعث بالرسائل نكتشف أن مصير رجاء ايضاً يتحدد في هذه الرسائل دون علم منا.
في الجزء الثاني والخاص بحوارات مع دستان تتكشف لنا بعض الحقائق عن حياة سراج وماضيه وكيف نشأ في اسرته وما واجهه من معاناة سواء كمراسل صحفي او طفل وحيد في بيت رجل صارم او زوج حطمته الحياة ولا يقدر أن يستجيب لمحاولات زوجته لتجعله يتعافى وكذلك نرى بعض توجهاته واراؤه السياسية ونظرته للغرب وتحكمهم في الأمور وبلاد العالم الثالث وسيطرتهم عليها وكيف أنهم هم سبب كل بلاء ودمار الشعوب ولعل ذلك ظهر جليا في هجومه المستمر على شخص دستان كرمز للعنصرية واعتقاده انه (مثلي يهوdي ولا نفع له كطبيب نفسي من الاساس) .
بعد لقاء سراج مع دستان في باريس ومحاولته للتعافي وقرار سفره لأسوان التي مكث فيها ما يقرب من عامين بلا جدوى يقرر سراج السفر لبلاد السحر بلاد جان فلا مانع من تجربة جديدة كليا تعيد الحياة لدمائة التي تجمدت من فرط الملل ليقابل هناك رجا في ملهى زيزي والتي أثارت فضوله وكان هو بالنسبه لها كطوق نجاة وكانت هي حبيبة وفرصة لفعل شيء صواب وذو قيمة في حياته.
تتجلى قيمة المرأة في روايات الكاتب بشدة فنجد أنها مركز إتزان الأبطال دائما وهنا تتضح أهميتها جدا فالأم كانت مصدر الأمان وفسحة الحلم في حياة سراج والتي وإن رحلت في وقت عصيب بالنسبة له فقد كانت درية هي إمتداد لها أضف لذلك دور رجا في حياته في بلاد جان وكذلك دور عائشة كخطوة هامة لتبدل حياته ككل فيما بعد.
تحدث الكاتب عن خقبة التسعينات وما قبلها وأثرها على الشعب المصري فبداية من العهد الناصري وإيمان الشعب العميق بالثورة ومطالبها ومروراً بالنكسة وألمها ثم النصر وزهوته حتى التفكك العربي وبداية عصر الإنفتاح عنانى الشعب الكثير فكان كمن فقد بوصلته في خضم بحر امواجه عاتيه حتى في حرب الكويت والغزو العراقي كان العرب يستعدون لمرحلة جديدة ونهضة جديدة غير ان الاحداث كانت مؤسفة للغاية فيما بعد وهو ما اتضح في التضارب بين رغبة والد سراج في أن يغطي ابنه احداث الحرب وبين عدم رغبة سراج في ذلك إيماناً منه بأنه ليس لعبة موجهة في يد الأمريكان يحركونها كيفما أرادوا أضف إلى ذلك حديثه عن دور فرنسا الذي من المفترض أنه خفي في الإنقلابات السياسية في بلاد جان وأثرها القوي وكيف أن تلك البلاد المستعمرة حتى وإن كان الإستعمار من الباطن هي سبب كل بلاء وتدهور.
شخصية راجا تمثل المرأة المقهورة في كل الشعوب فمن فقر في المعيشة لزوج مهاجر هجرة غير شرعية لتصبح وحيدة وهي أم بعد غياب زوجها فتسعى لكسب الرزق فتتحول إلى فتاة ليل من مكان لآخر وصولاً الى زيزي وكذلك البنات الاخريات نفس الحال حتى أن حلم التوبة أصبح صعب المنال فإحداهن ترحل ولكن ليس لحياة سعيدة كمان كان يفترض ولكن لعهر آخر في بلد آخر مع قواد جديد وكأنهن مجرد دمى للعب بهن لا أكثر.
تتجلى ثقافة الكاتب أيضاً في الحديث عن اللوحات والأعمال الفنية وتاريخ مدرسة الجزويت ونشأتها بالإضافة الى الحيث عن فيرجيل ودانتي وبعض الأساطير التي اتخذها كتشبيه لحياته مثل اسطورة بينلوبي واوديسيوس .
في بعض الأجزاء شعرت بإسهاب في الوصف أو الحديث الداخلي للبطل وإن كان ضمن إطار إيضاح ما يشعر به الا انه قد يبعث على الملل، كذلك الرسائل مع دستان في البداية كانت تحتوي في ختامها معلومات عن حياة راجا في زاوية اخرى من العالم وهو ما أضفي لبس علي في البداية لأنني تخيلت أن الأمر حتى بعد النوغل في العمل يتعلق بدرية ولكني تفهمت جيداً في القراءة الثانية.
أحببت النهاية للغاية فقد كانت تضج بالحياة بمفارقاتها العجيبة وأعطت طابع محبب للعمل وكذلك قرار سراج بعث في روحي الأمل وأن هناك دائماً فسحة للخيار الصحيح مهما تأزمت الأمور فقد كنت أشعر بخيرته طوال العمل ولعله بذلك يكون وجد ضالته المنشودة.
ارشح العمل لمحبي القراءات ذات الطابع الاجتماعي والسياسي معا ومحبي اللغة الشاعرية والغوص في نفوس الأبطال وفي إنتظار أعمال الكاتب القادمة.
#بلاد_جان
#أحمد_فريد_المرسي
#مسابقة_ريفيوهات_بلاد_جان

