هذه المرّة الثالثة التي أقرأ فيها الرواية. قراءة دقيقة، نقديّة، أكثر ثباتًا ووضوحًا. قراءة ورقيّة، ربّما تحمل في طيّاتها شيئًا من الخوف والقلق، وكثيرًا من الفرح أيضًا. لكنني، كما أحبّ دائمًا، سأكون صادقة. أريد أن أتحدّث عن «علاء» كذاتي الشخصيّة، كأنا. أنا وهو شخصٌ واحد. جميعنا «علاء»، ولكن بأشكال مختلفة. وأنا علاء لأنني تعلّمت الصمت؛ لا اختيارًا، بل خوفًا.
«علاء» الفتى الذي أدرك أن صديقه الوحيد هو الصمت. لا يعرف كيف يصرف شرّ رأسه عنه، ولا كيف يتصرّف، لأنّ الخوف يسبقه دائمًا. ربّما كلّ ما كان يحتاجه شيءٌ واضح، حقيقي، موقفٌ يثبت صدق ما يُقال له ومن حوله. لا أعرف كيف أبدأ، ولا من أين، لكن دعوني أبدأ من البداية… من بداية كلّ شيء.
هذه الرواية هي كلّ شيء. تعني كلّ شيء لسلمى ولي.
أتذكّر أوّل حديثٍ دار بيننا عبر مكالمة فيديو، حين أخبرتني سلمى أنّ لديها فكرة لرواية، وكيف قصّت عليّ تفاصيلها الأولى، وكيف ستكتبها، وكيف اختارت ملامحها بعناية. ثم صبرنا عامًا كاملًا، لتعود سلمى هذا الصيف وتكتب ما تركته معلّقًا. في الحقيقة، كنت شريكة في كلّ تلك اللحظات الجميلة التي أثمرت هذه الرواية «الحنونة».
نعم، حنونة. كما سلمى تمامًا.
لا أريد أن أحوّل هذه المراجعة إلى محاولة لوصف سلمى، لكن الحقيقة أنّ سلمى كتبت رواية تشبهها: حنونة في لغتها، صادقة في مشاعرها، قريبة من القلب. منذ شخصية «علاء» تحديدًا، توقّفت طويلًا عند اسمه. لطالما آمنت أنّ الكاتب لا يختار أسماء شخصيّاته عبثًا، وأنّ لكلّ اسم دلالته ورسائله الخفيّة. وبالفعل، لم تكن لتكتمل الرواية دون «علاء».
علاء كان مجرّد طفلٍ كبير، لم يُصالح نفسه. قذفت به الحياة قسرًا إلى ما لم يختره، فعانى طوال الوقت، لا من الحياة بقدر ما عانى من أفكاره. كانت أفكاره وذكرياته سجنه الأبدي، ولم يكن له، بعدُ، غير الذكرى.
لفتني اختيار سلمى لأسماء الشخصيّات بعناية، ما دفعني للتعمّق في كلّ شخصية، لا من أجل القراءة فحسب، بل من أجل الفهم. لماذا «علاء» تحديدًا؟ ولماذا هذا الاسم دون غيره؟ رأيت أنّ شخصية علاء، خاصّة في الفصل الثالث، كانت غارقة في حوار داخلي عميق: حديثه مع نفسه، وصفه لدخول شعاع الشمس إلى غرفته، نظرته إلى السماء والعصافير من حوله. لم يكن ذلك سوى محاولة دائمة للهروب من الواقع.
علاء كان يريد العلوّ دومًا؛ الهروب، والعلوّ، والابتعاد عن كلّ هذا الثقل. أفكاره، حزنه، وحدته. كان «عائدًا إلى السؤال» باستمرار.
استحوذ على إعجابي كيف عرضت الكاتبة فكرة الخوف والحيرة والتشتّت من خلال شاب؛ فغالبًا لا يُلتفت إلى حزن الشباب، رغم أنّه قد يكون أعمق وأقسى من حزن الفتيات. حزنهم صامت، متخفٍّ، لا يُقال.
طوال الرواية، شعرت بالحزن على علاء، كأنّه أنا. وددت لو أستطيع الدخول إلى داخله، أن أربّت عليه، أن أُخفّف من ألمه تجاه «آمنة». كنت أودّ إخباره أنّ آمنة تراه وتحبه.
منذ البداية، كنت أعلم أنّ شخصًا بهذه الصفات"علاء" لا يمكن إلا أن يكون ضحية أفكار رأسه، لكن «آمنة» جاءت ،وهي ليست سوى الفكرة الوحيدة التي سمح علاء لنفسه بحبّها، وسط فوضى أفكاره الأخرى.
تتطرّق الرواية إلى موضوعات عديدة، أهمّها علاقة الآباء بالأبناء، وطريقة الحبّ الناقصة التي يعاني منها جيلنا. نحن جيلٌ يتخاصم مع آبائه ويصالحهم في اليوم ذاته. أتذكّر جملة والدتي الدائمة: «أنا أم»، وأحاول فهمها. تفهّمت والد علاء وخوفه، كما تفهّمت علاء، لأنني مثله: أخاف، وقد علّمني خوفي الصمت.
الخوف، الصمت، الهروب، الغياب… كلّها دروس تعلّمها علاء.
كانت والدتي تقول لي دائمًا: «ضعي نفسكِ مكاني، وسأضع نفسي مكانكِ»، فهكذا فقط تُحلّ الأمور. ولو فعل والد علاء ذلك، لما كان حزن علاء بهذا العمق، ولما عاش هذا الكمّ من الأفكار القاسية.
أثناء القراءة، شعرت أنّني مكانه. فقدتُ جدّتي منذ فترة قريبة، وتقول والدتي دائمًا: «لو عاد بي الزمن، لاحتضنتها أكثر، ولأحببتها أكثر». تمامًا كما قال علاء. هكذا هي الحياة؛ نفقد أعزّ من نحب، ثم نتمنّى لحظة واحدة إضافية لنحبّهم كأنّنا سنفنى بعدها.
تشتّت علاء طوال الرواية كان مبرّرًا، بل إنّ القارئ قد يشعر ببعض التشتّت أيضًا، وقد شعرت بذلك فعلًا، بسبب تنقّل الكاتبة بين الماضي وذكريات علاء، ثم العودة إلى حاضره.
لغة الكاتبة خلّابة، وسردها أقرب إلى حديث الإنسان مع ذاته. تشعر أنّك لا تقرأ شخصية، بل تقرأ نفسك. قد يجد البعض بعض المفردات ثقيلة على اللسان، لكن من يعرف سلمى يدرك أنّها تكتب من قلبها، بلا تزييف، تصف المشاعر كما هي.
لو أردت وصف اللغة بكلمة واحدة، لقلت: «حنونة». كأنّ الكاتبة تأثّرت معنا بعلاء، وأرادت أن تربّت عليه بلغتها.
«عائد إلى السؤال» رواية بسيطة، حنونة، تشبه حديثك الداخلي مع نفسك. رواية لكلّ شاب، لكلّ ابنٍ لم يفهمه والداه بعد، فغرق في صمته، وربّما انجرف إلى حزنٍ عميق. لكن الحلّ، كما تقول الرواية، هو الصدق: التحدّث، المواجهة، إظهار الخوف لا دفنه، والتعبير عن الحبّ ولو بأبسط الطرق.
فهكذا هي الحياة، وهكذا هو حال الدنيا.
وكما قال وديع سعادة: «ماذا لدينا بعد غير الذكرى؟»
— نُور سَعيد عمَّار
ــــ التقييم:-🌟🌟🌟🌟🌟/٥

