بأيديكم الآن رواية صورتها وألوانها واضحة، نموها مُكتمل، نظيفة وملابسها جميلة ورائحتها عطرًا.
وأنا أعرف كواليسُ رحلة خلقها وإكتمالها داخل رأس صديقتي سلمى، بماذا تغذّت حبيبتي حتى تصبح الرواية قوية هكذا كما تظهر لكم.
تروي عن أكثر من ندبة، تُصوّر أشكال جروح مختلفة، وبأعماقٍ أيضًا تختلف، لكن كلها، كلها يستقر صديدها في رأس علاء، يعيشُ معه طويلًا، يكبر به، يشعر بإشمئزاز دائمًا، لكن حبيبُ آمنة الطيب يختار أن يخرج قيئه بأكثر الطرق رحمةٍ وأقلها ضررًا، بالكتابة.
سلمى كاتبة مجتهدة ولحوحة، لا تترك الكتابة بحالها لتأتيها وقتما أرادت، تظل ورائها، تخرجها حتى من كوب النسكافيه الذي تحتسيه، وهذا يُظهر للكتابة أهميتها لديها، فتعطيها هدايا تُرضيها، كهذه الرواية.
تحكي لكَ فقدً تعرفه، تسأل في منتصفه ما ذنبي؟ لكن الله لا يتركها كثيرًا، يرزقها نظارة تُظهر لها جوانب أخرى من البلاء تقلل من حدته، وحبيبتي الطيبة ستُعيرك إياها في الرحلة لهذه الصفحات.
تقول: بماذا شعرتَ يا علاء؟ فيخنقه البكاء.
الندبة مُتسعة، جرحها مر بمراحل مختلفة، وبأعماقٍ أكثر إختلافًا، ملأت رأسه بالصدى، وسلمى أرادت أن ترحمه، أعطته قلمٌ وسمحت له أن يكتب نفسَه، يشرح ويُفرغ ويخرج من رأسها، تركت له أوراقًا كثيرة فارغة، ووقفت تنظر، وأحيانًا تُطلعني معها، ونبكي.
جرحني الحبلُ الأخير الذي بيده حين قُطع، شكل الحب المعروف الذي يتخيله القارئ، شكل الحب الذي يُزين الحكايات ويجعلها مُحتملة، غضبتُ، لكن ليس كثيرًا، رأيتك تقفين أمامي، تمدين لي نظارتك وحين أرتديها تُشيري لي على حقيقة الدنيا وتشرحي طويلًا، وأستغفر الله لا أرضى، لكن أصمت وأحاول أن أكون مهذبة وقت البلاء.
"يقول حبيبُ آمنة: رأيت الحروف في رأسي تجري، تتسابق كي تخرج، كي ترتبني.
وجدتُ تعبيرًا أوضح لما في رأسي، وهو أن السوس ينخر في رأسي، تعلمين ما فعله السوس في بيتنا، ولكِ أن تتخيلي ما يمكن أن يفعله في رأسٍ لا يُمكننا أن نُمسك ما بداخله؟ رأسٍ لا أصابع فيه!"
الكتابة تُحبك يا سلمى كما تحبيها، وستظل تهديكِ كلما فتشتِ عنها، من منا لا يحب من يتمسكُ به غصبًا؟ حتى في الأوقات التي نغيب عنه بها يبحث ويبحث حتى يعثر علينا؟ لا أحد عاقل يفعل.
وأنتِ تعاملين الكتابة كحبيب لا تملّي منه، والله يحفظك ويبارك لكِ لا يقل شغفك به أيضًا، فلا تخافي أبدًا حين يأتي صباحٌ ولا تعثري عليها، حبيبةٌ مثلك لا تُهجر ولا تُنسى يا سلمى.
مي رجب_ ٢٠٢٥/٨/٣.

