رواية: الثانية ليلاً بتوقيت الإسكندرية – عمرو النجار
تُعدّ هذه الرواية أول تجربة قرائية لي مع الكاتب عمرو النجار، على الرغم من أنّني سبق أن اطّلعت على مقاطع من إحدى رواياته سابقًا، دون أن تتاح لي الفرصة حينها لكتابة مراجعة عنها. أمّا هذه القراءة، فقد جاءت مختلفة؛ أكثر نضجًا، وأكثر امتلاءً بالشعور والدهشة.
تحمل الرواية فكرة مميّزة وغير مألوفة؛ إذ تدور أحداثها حول عروس تبحث عن وسيلة مواصلات في ساعة متأخرة من الليل، في الليلة التي تسبق زفافها مباشرة، بعد أن داهمها الوقت وتأخرت. ومن هذه اللحظة البسيطة ظاهريًا، تبدأ الحكاية؛ لا كرحلة في المكان، بل كرحلة عميقة داخل النفس، وصراع داخلي مؤلم، تدور فيه العروس داخل دائرة خطيبٍ لم يمنحها الاهتمام ولا القلق الذي تستحقه، بل لم يرَ في تأخرها سوى ذريعة للّوم، حتى على فستان زفافها الذي استأجرته من مدينة الإسكندرية.
لن أحرق الأحداث، ولن أذكر أسماء الشخصيات، لكن ما أستطيع قوله بثقة إنني وقعت في حب هذه الرواية بصدق، واشتقت معها إلى أسلوب سردي افتقدته منذ زمن طويل.
أمّا شخصية السائق، فقد جاءت محمّلة بظروف قاسية؛ رجل أنهكه الخوف من الهجر، وتجرّع مرارة الخيانة الزوجية. ومع ذلك، وجدت نفسي أتعاطف معه منذ لحظة ظهوره الأولى في شوارع الإسكندرية. ففي ليلة واحدة، عاش هو والعروس سلسلة من الأحداث المتباينة والصعبة، بدأت بطريق سريع، وانتهت برحلة إنسانية طويلة، تعرّف كلٌّ منهما خلالها على الآخر، وربما على نفسه أيضًا.
جاءت اللغة خفيفة وبسيطة، قريبة من القلب، ورغم ما قد يشوبها من بعض الهَنات اللغوية، فإنني أراها رواية مناسبة للمقبلين على الزواج؛ لأنها تضعهم أمام اختبارات حقيقية لاختيار الشريك المناسب، وتُذكّر بأن الاختيار الخاطئ قد يدفع الإنسان ثمنه مدى الحياة.
أحببت شجاعة العروس حين استجمعت قوتها، واختارت نفسها، وتقبّلت الألم، وقررت الخروج من علاقة سامة كانت تقيدها بخطيبٍ لم يرَ فيها شريكة حياة، بل عبئًا إضافيًا. كما أحببت قوة السائق وصلابته؛ لا في حضوره الإنساني فقط، بل في كفاحه اليومي، وعمله الدؤوب، وحياته الثانية التي يخوضها بصمت، بعيدًا عن أعين الآخرين.
أمّا النهاية، فجاءت رائعة ومختلفة؛ نهاية تدور حول شخصين خُلقا لبعضهما، جمعهما القدر في صدفة، لكنها صدفة قادرة على تغيير حياتهما إلى الأبد. وفي رأيي، تُعدّ هذه الرواية من أفضل ما قرأت؛ رواية نجحت بجدارة في تقديم وجهتي نظر مختلفتين: السائق والعروس، لنفهم من خلالهما، ونتعلّم.
أؤمن بأن الحياة تصنع أحيانًا صُدَفًا أجمل بكثير من العلاقات الفاشلة، وقد تحدث في الواقع كما حدثت هنا، لكنها لا تخلو من الاختبارات، والصعوبات، والتحديات. فالعلاقات الحقيقية لا تُقاس بالكلمات ولا بادعاءات الحب، بل بما يظهر في نظرات العيون، وفي الإحساس الصادق، وفي تحمّل المسؤولية، وفي المودّة والرحمة.
وأخيرًا، وبعد هذا الانتظار الطويل، أتقدّم بخالص الشكر والتقدير للكاتب عمرو النجار على فكرته المختلفة، وقصته المميّزة، التي شاركني عبرها رحلة شعورية وإنسانية ثرية، وتعلّمت منها الكثير.

