عزلة الكنجرو
إنها المرة الأولى التي أسمع فيها عن ( الطونج) و ( الفونج)، وما زاد دهشتي هو شبه انعدام المصادر أو المقالات عنهم في الشبكة العنكبوتيّة، ومن هنا تأتي الدلالة الرمزية لعنوان الرواية!
مقدمة لابد منها: الطونج هم جماعة دات أصل نوبية- سوداني، ارتبطت بحكم مملكة ( علوة) آخر الممالك النوبية المسيحية، ظهروا في القرن 14و 15.م.
هم جماعة هُمشت تاريخيا، هوية ممحوة، يمثلون فترة انتقالية ما بين الحكم الاسلامي و سيطرت العرب في شمال السودان، و بين الممالك المسيحية والاثنيات المتعددة التي سكنت وسط السودان.
دلالة العنوان
تتحدث الرواية عن ( ربيع الطونجي) الذي هاجر أرض السودان ، و يقيم في الصعيد، لكنه لا يشعر بهويته هناك، لا يرتبط بهذه الأرض يعاني حالة ( عزلة) وجودية و سياسية، فهو في المكان و ليس منه، هو يشبه ( الكنجرو( الكنغر)، الذي يعيش في أرض غريبة عن أرضه، في مكان جغرافي لا ينتمي له ولا يشبهه ، وكأنه دخيل على المكان ، يعاني من حالة ( تهميش) لتاريخ جماعته، فحياته تشبه قفزات الكنغر، في انتقالات مفاجئة، ، لا يسير في خطى ثابتة خطية، لا يسير في الزمن بل يقفز فوقه. تاريخه متشظى و مبتور، غير مكتمل، يحمله معه في داخله، كما يحمل الكنغر صغيره في جرابه، وكأنه كائن غير مكتمل.
الغلاف: رجل أسود يقف في محيط أبيض لا يشبهه، لا ينتمي له، كل ما يحيط به هو الفراغ، البياض الذي يعزز شعوره بالعزلة، بينما تمتد جذوره السوداء جنوبا، هناك في العمق، ما يذكره دوماً بأصله!
هذه الرواية عن الهويات الممحوة، عن الذات التي لم يسمح لها أن تكون، ولا لصوتها أن يسجل، كل ما تمتلكه هو تاريخ شفوي عرضة للزيادة و النقصان، هم أقلية استخدمتها القوى السياسية كوقود حرب لاعادة التوازن في الصعيد، وزرعتهم في المناطق التي تخاف السلطة من سيطرة قبيلة أو عشيرة بعينها، أو أن تنفرد بالسلطة.
في الرواية حديث موسع عن منطقة ( الحدودية) تلك المنطقة المثالية المتخيلة، منطقة بلا اقليات، ولا سيطرة للاديان فيها، ولا للايديولوجيات، منطقة يفر إليها كل من يهرب من ماضيه لينسى ألمه، لكن الماضي يطاردك مهما هربت منه… وقد يقتلك.
مراجعتنا الصوتية فيها شرح موسع للكثير من الأفكار،
لغة الرواية جميلة، لكن بعض الحوارات غير منطقية ، لا تناسب مع مستوى الشخصيات، هناك بعض الملل التي تسلل إليها للإطالة و التكرار، وطبعا هناك ملمح لجنون ( الدون جوان) في الروايات العربية! حيث يظهر البطل دوما بأنوثة سلبية! فهو المعشوق الذي تطارده النساء!

