تمنحنا الكاتبة المبدعة "مي حمزة" روايتها الساحرة "مقام سيدي القطقوطي"، بعد أن أودعت فيها لغة أدبية بارعة، وحبكة روائية مدهشة، وسرد عبثي متدفق، ثم أضافت إلى كل ذلك نَفَس تجريبي جذاب، يشد القارئ ويورطه، ثم يربكه ويجعله لا يستطيع ترك الرواية من بين يديه إلا بعد أن ينتهي من قراءتها بالكامل.
هي رواية عن آل القطقوطي صاحب المقام، عندما تجوب بين صفحاتها، ستشعر أنك داخل نص رمزي فلسفي رفيع، نص عبثي من طراز فريد يضاهي عبث الحكاية نفسها، على الرغم من مقدمته بعبارة سورين كيركغور عن أن العبثية مقصورة على أفعال واختيارات البشر ومنبعثة من حريتهم، فإنه بعدها ترك القارئ بعد أن يكتشف الحقيقة يرى ما إذا كان ينوي أن يقفز على طريقة قفزة كيركغور.
"كرم" حفيد حفيد صاحب المقام، يروي لنا الحكاية كلها، كرم ابن سميرة بنت ياسين ابن سهم ابن سيد القطقوطي صاحب المقام، وصاحب كرامات السبعة أرواح وحبس الجان وتسخيرها وتعليم الحيوانات التسبيح، شهدنا عندما بدأ كرم الحكي قبل لحظات من ولادته، وعندما كرهته أمه وأنقذته جدته، وعندما كان تائهًا وغريبًا بين آل القطقوطي، وعندما مارس "السَّرَحَان" وكانت روحه تحل في قطط، فتكشفت له كل الحكايات والأسرار، وعندما أعادنا إلى بدايات الحكاية كما سمعها ممن حوله، وعندما كان شاهدًا على جانب منها، وعندما قرر أن يضع لها نهاية في آخر الرواية.
كنا نشم رائحة التاريخ ورائحة المكان ورائحة الناس ورائحة أفكارهم، ربما كانوا حرافيش من نوع آخر، الجد الأكبر سيد عبد الرحيم، الفقير الأمي، تتبدى كراماته، أو ما يظن الناس أنها كرامات، يطلبه المعلم الفتوة شدَّاد كحيلة لزواج ابنته ناهد، ينجب منها ولدهما الوحيد سهم، ثم يموت ويُقام له مقام سيدي القطقوطي، سهم يتزوج من امرأة لا يعرفها أحد وينجب أبناءه الثلاثة، ياسين وطه ويوسف، بعدها تظهر في الحارة الأخَوات الثلاث، نادرة وكريمة وسعدية، وتبدأ متاهة العائلة.
أقسمت ناهد كحيلة أن تذبح لكل صبي من أحفادها عجلًا بيدها، لم تف بالنذور، فبدأت اللعنة تضرب الجميع، أولاد حارتهم وكل من حولهم.
عرفنا شجرة تلك العائلة المتشابكة الفروع والملتفة الأغصان، الخالين سرور وسامي والأم سميرة (من ياسين ونادرة)، الخالة عدولة (من طه ونادرة)، الخالين صابر وجابر (من ياسين وكريمة)، الخال زينهم أو محمد سابقًا (من ياسين وسعدية)، أما العم يوسف فلم يكن في نصيبه سوى زوجته جوهرة وولده زينهم الأصلي.
❞ كل شيء في هذا البيت يتم تبادله؛ النساء والأطفال والملابس والأزواج ❝
تجولنا بين حكايات أفراد هذه العائلة المباركة، أو الملعونة، وعرفنا كل رذائلهم، ورذائل أهل الحارة، شهدنا كل ما كان يدور حول مقام سيدي القطقوطي، الأفكار والخرافات، الحقائق والأكاذيب، الفضائل والرذائل، المعاني والجنون.
❞ جنون لا يتحدث عنه أحد، والجميع به راضون ❝
في سَرْحته الأولى شهد مقتل سعد دارس الفلسفة قبل أن يُعَلِّمه كما وعده، وطاف في سَرَحاته العديدة بأم سعد والخال سرور والجدة نادرة وسعدية وناهد كحيلة وغيرهم، ثم مضى في سرحات لعبة العمامة في مقام القطقوطي، عرف علاقة سيد القطقوطي بالقطط، ودفعته الشيخة عدولة للمضي في اللعبة، فجاءت السرحة الأخيرة بعد أن قرر إنهاء الحكاية.
لم يستفد كرم من أبيه فاروق صاحب المعرفة والرؤية، ولم يدرك تلك المعرفة التي وعده بها سعد قبل أن يموت، لكن شذرات التبصر كانت تتسرب إلى نفسه عندما تكشفت له كل الحكايات المجنونة، كان عليه إما أن يصدقها أو يكذبها، وجد أنها في الحالتين سوف تقوده إلى نفس النتيجة، وسوف تنهار الأسطورة فوق رؤوس كل أهل الحارة.
❞ حين يسود ظلام الجهل، لا يجب على العاقل تضييع الوقت في اللوم على الجاهلين ❝
حكايات كثيرة لم تكن آخرها حكاية سرور وعزيزة، أو سامي وچيهان أخت متولي وأم سعد وسيف الدين، أو جابر وصابر، أو فاروق وسميرة، أو يوسف وجوهرة، أو العجلاتي القاتل، أو شيوخ الرواية الرملي وحمادة الأزهري، أو الشيخة عدولة صاحبة مفتاح السر، أو سعدية التي لعنت كل أنواع الصبر.
❞ كانت تلعن صبر كريمة على المرض، وصبر نادرة على تحديد المصير، وصبر طه على وجع قلبه، وصبر ياسين على البُعد عن محبوبته برغم وجودها أمامه، وصبر الصغار على التفرقة في المعاملة، ولم تنسَ بما أن لا أحد سيدرك أنها أيضًا كانت تلعن صبرها على اليأس الذي يحيط بها من كل جانب!! ❝
في النهاية يأتي الفصلان الأخيران، لنعرف أصل الحكاية من ناهد كحيلة في ليلتها الأخيرة قبل وفاتها، يخشى كرم من السَّرَحَان مرة أخرى، لكن في سرحته الأخيرة الغاضبة، لم يعد هناك مكان آمن بالحارة، لا مقام سيدي القطقوطي ولا زاويته، ولا عمارة ابن يعقوب، ولا المنزل الجديد الذي سكنوه، ولا كل بيوت الحارة، ما عدا النُزُل وبيت سرور، فكل من صدَّق الكذب آثم، وكل من قدَّس الخرافة آثم، وكل من رضيَّ بالظلم آثم.
❞ لكني انتهيت إلى حقيقة أن هذا الوليَّ لا يستحق أن يكون سيدنا ❝
لم نعد بحاجة إلى المزيد من الأدلة أو الحقائق أو حتى الأكاذيب، لم نعد بحاجة إلى الحكايات والأساطير، فكل شيء بات واضحًا جليًا، كيف يمكن لحكايات تافهة وساذجة أن تسيطر على حياة الناس بهذه الطريقة، كيف يقبل الناس ذلك، ها هم أخيرًا سوف يكتشفون الحقيقة، وسوف يتحررون.
انتبهنا مرة أخرى، فوجدنا الناس ينظرون إلى سرور، ذلك الوليُّ الجديد، ربما سيقيمون له مقامًا آخر، هل لابد لهم من ولِيّ، أما اكتفوا من الأولياء، أما اكتفوا من الخرافة التي تعيش داخل رؤوسهم كل تلك السنوات، أهذه هي حريتهم التي يبغونها، تَذَكَرنا عبارة كيركغور القابعة في بداية الرواية.
أرادت مي حمزة في روايتها تحديد الخط الفاصل بين الحقيقة والخرافة، فاكتشفنا أنه رغم وضوحهما الساطع، فهما شديدا التداخل ويصعب على الناس الفصل بينهما، وأنه ما زال أمامهم الكثير حتى يحققوا ذلك، كما أرادت أن تبحث عن معاني العدل والحرية، فاكتشفنا أن العدل لا يوجد بصورته الأولية في هذا العالم، وأن حرية الإرادة في أفضل أشكالها هي اختيار بين أمرين، أحدهما حتمي والآخر مستحيل.

