هناك سطور عن الموت كفكرة حتمية لا تحتاج إلى الإيمان، ببساطة لأن الكل سيمرون بها. رأيتُ الكلام مقنعًا، لا يهم أن تؤمن بالموت؛ لأنك ستموت في النهاية، إنه ينتظرك لتُصدق رغمًا عنك.
ما يشبه الظل
نبذة عن الكتاب
أجلِس على نار في انتظار أن تكتمل الكراسي. عيناي تَمرَّان على وجوه الرُّكَّاب في الأتوبيس، أحملُ هَمًّا يُقطِّعني؛ أن أرى «علاء» جالسًا بينهم، أو قادمًا للركُوب. حينها سأكون مُضطرًّا إلى ابتسامة صعبة، تُحرِّك عضلات وجهي بالإجبار. لساني سيقول كلمة أو كلمتَين من تحت الضِّرس. أنظر في الساعة، أنفخُ، أشعر بِضَربات في رأسي تتجسَّد وتتجاوز إيقاع النبضات، شيء في بطني يتكوَّر ويلفُّ مُحدِثًا وجَعًا.التصنيف
عن الطبعة
- نشر سنة 2025
- 125 صفحة
- [ردمك 13] 9789779686097
- بيت الحكمة
اقتباسات من كتاب ما يشبه الظل
مشاركة من Avin Hamo
كل الاقتباساتمراجعات
كن أول من يراجع الكتاب
-
muhammed srour
يا رأسي الغائم… هي معي، تحت عيني، لكنها بعيدة بعد أذان المغرب.
من قصة غبار قوس قزح
آه، ما أجمل تلك اللغة التي تطرق رؤوسنا كمعول. حسام المقدم نحاتٌ بارع، ينحت قصصه عبر لغة رشيقة مصقولة؛ كل كلمة لها وزنها. تشعر أن القصة منحوتة بالفعل: لا حرف زائد ولا ناقص. الكلمة في مكانها، وتشعر بها في روحك. اللغة هنا هي البطل.
حسام المقدم معجون بالفن، وليس بالكتابة وحدها. فالفن التشكيلي والموسيقى والسينما تتجلى آثارها بوضوح في مجموعة ما يشبه الظل. ترى وتتأثر بلوحات جوخ مرة، وتسمع رباعيات الخيام ترن في أذنك مرة أخرى، ثم تعود بك الذاكرة إلى سينما فيلليني. قصصٌ مشبعة بالفن، وتبوح بكتلة فنية هائلة مكنونة في صدر المقدم، لذلك خرجت معظم القصص كلوحات فنية أو معزوفات موسيقية.
في ما يشبه الظل، الظل هنا لا وجود حقيقيًا له بين القصص، لكنه يظهر كعلامة على وجود نور ما، أو كأثرٍ لما يتبقى من مروره قربنا. فمثلًا، في قصة "أوقات للعظام" تتحرك العظام لتسأل: ماذا يبقى من الإنسان حين يتهاوى الجسد؟ وهل الوطن جسد؟
وفي "شرارة سوداء"، الظل هو المسافة الخفية بين البشر، والشرارة التي تشتعل داخلنا، والنفور الذي يخفي انجذابًا.
أما قصة "غبار قوس قزح"، وهي من القصص المهمة في المجموعة، فنرى فيها صيامًا عن التفريغ السريع للرغبة، واحتفاظًا بالنار كي تشتعل ببطء. الظل هنا هو لحظة التردد، ولحظة الوقوف بين نعم ولا.
فلسفة حسام، أو مقولة مشروعه الفلسفي، ظهرت بوضوح في آخر نص: سماء أسفل النافذة. في قصة الصعود لرؤية الله نرى المشروع كله يتكثف: رجل يصعد شجرة بحثًا عن المطلق.
يبدو الصعود روحيًا، لكن الطريق مليء بما هو أرضي تمامًا. امرأة تعترضه أولًا، ويظهر الجسد كتجربة كاملة. النشوة هنا تكشف هشاشة الباحث نفسه. ثم كتاب ضخم لا نظام فيه، ولا فصول مرتبة، ولا يقين نهائيًا. النمل بجوار الموت، والأغاني بجوار الكلاب.
المعرفة هنا غابة. وفي النهاية: السقوط. أو ربما العودة، واكتشاف أن ما كان يبحث عنه في السماء يشبه — على نحو مربك — حياته نفسها.
الجسد عند حسام المقدم طريقٌ ووسيلة لنقل فلسفته عن الحياة. في قصة "تشكيل طيني يشبه حبة القمح"، تلك القصة عن الطين والجسد — أو بالأدق عن جزء محدد من الجسد — نرى حسام يربط بين الطين وذلك التشكيل بصورة جميلة، ليقول لنا إنهما أصل الحياة. وفي قصة "غبار قوس قزح" تصبح رغبة الجسد طاقة هائلة تحتاج وعيًا، وفي قصة الصعود الروحي أيضًا يمر الطريق عبر الجسد. كأن حسام يقول لنا: لن تصل إلى المعنى إلا عبر نصفك الآخر.
لغة حسام المقدم لا تصرخ. إنها لغة مصقولة، موزونة بميزان ذهب، لا تتباهى بالصور ولا تتكلفها. فصحى رشيقة تسمح للعامية أن تلوح من بعيد. ضمير المتكلم حاضر بكثافة، لكن “الأنا” هنا قابلة لأن تكون ظلَّ كل قارئ.
ثمة توتر دائم في هذه النصوص: الرغبة في الطيران، والخوف من الارتفاع. الرغبة في المعرفة، والشك في قدرتها على الإنقاذ. الرغبة في المطلق، والارتباط الحتمي بالأرض. هذا التوتر هو نبض المجموعة؛ فالإنسان هنا كائن لا يهدأ، ولا يصل.
ما يشبه الظل كتابة عن المنطقة التي لا نستطيع تسميتها بدقة. عن الرغبة بين الإدانة والتقديس، والمعرفة المنقوصة، ومحاولة الوصول إلى أرض صلبة للإيمان.
إنها كتابة تمارس الوجود وتورّط القارئ. وفي النهاية لا تمنحنا رؤية واضحة للغز الحياة والوجود، ولا تعريفًا نهائيًا للحقيقة، لكنها تمنحنا شيئًا آخر: وعينا بظلّنا.






