من قصة (س)
لم تنم منحة ليلتها، بقيت مسهدة تتفكر في ذلك "الأفق" الذي امتد أمامها. بينما ظل يرن في أذنيها رجع الكلمات الرشيقة المنمقة، لم تقف على وصف أو تصوير مثل هذا من ذي قبل.. كانت مبهورة.
لما كان الصباح كانت تنظر خروجه في شغف وشوق، لكنه لم يظهر..
ارتابت في الأمر..
وانتظرت..
ومضى وقت طويل..
ثم وهي تلتقط أنفاسها اللاهثة من صعودها السلم، وقبل الطرقة المواجهة لباب شقته؛ فكرت أن فضولها وحده ليس مسئولا عن الإتيان بها حيث هي الآن..
لا الفضول ولا القلق الإنساني المُبرر..
مع صوت جرس الباب سرت في بدنها رعدة؛ لكنها تماسكت.. حتى فتح لها.
تأملت لوهله حضوره؛ بنيانه القائم وبشرته الداكنة وشفاهه الغليظة وأنفه الأفطس.. شعره المجعد وقد بدأ الشيب يطعن غرته، وعيناه السوداوان.. بحر حائر في آخر ليله.
كان متجهما تعلو وجهه علامات الإعياء والتعب.. فقدمت نفسها.. وفي عجالة واضطراب شرحت ما كان منها بالأمس، وأعطته المسجل وشريط الكاسيت خارجه.. لم يعلق، وهمت بالانصراف لكنه دعاها إلى الجلوس.. وأصر.. دخلت بخطى وجلة وجلست إلى أقرب مقعد، وخلال اللحظات التي تركها ليحضر كوب عصير الليمون تأملت المكان بعناية.. المكتبة الصغيرة المرتبة وكأنها لم تمس لأمد، الفرش والأثاث يبدو جليا أن أحدا لا يستخدمهما.. أغلب الظن أنه يأنس إلى تلك الأريكة بجوارها.. أثره جلي بها.
لما عاد إليها جلس في صمت المستريح، إلا أنها قد أخذت باللوحات.. اللوحات التي شغلت أغلب مساحات الحوائط والزوايا من حولهما، لم تكن على درجة بالغة من الجودة ولا إتقان الحرفية، لكنها تملك سحرا من نوع خاص يخطف البصر والنفس..
كانت تحدق بإحداها القريبة؛ موج عارم وسماء غير صافية وصخور قليلة تجمعت عند الحافة..
وهي ترشف من العصير الذي أخبرها أن أخته المتسلطة لما عادته في وعكته الأخيرة قررت إجباره على استهلاك محصول كامل منه، لاحظت توقيعه على اللوحة والتأريخ القديم، التفتت إليه باندفاعها المعهود لتسأله عن عنوان اللوحة الغامضة المقبضة.
- شط منسي..
قال لها ذلك في حدة بادية، ثم صمت قليلا وهو يرقب المسجل وشريط الكاسيت على المنضدة، وكان يود لو قال شيئا..
هكذا أحست هي وشعرت بالخجل..
لكنه عطس بقوة وبصورة كاريكاتورية غريبة للغاية..
فلم تتمالك نفسها..
ضحكت بشدة..
ورغم تأثره البالغ واتجاهه للغضب، فإنه لم يتمالك نفسه هو الآخر، شاركها الضحك..
حتى كادت تنقطع أنفاسهما..
وهي تأخذ به للباب استوقفها، وأستأذنها في سؤال يلح عليه: هل تطمئن له وتشعر معه بالراحة؟!
وهو على ما هو عليه من بؤس وشقاء، يهيم فيه بسخطه وتمرده وعنائه المستديم!
ضحكت ولم تجب.. فقط رفعت يده إلى وجهها، تعلم أنه يرى ما ارتسم بملامحها وتقاسيمها من أجله، إن كان بالبصر ضعف فعين القلب لا تخطئ أبدا..
ثم استأنفا سيرهما.. وهما بمحاذاة خط الترام أشار لأعلى حيث نافذتها البديعة وقال هامسا: إن زوج عصافيرها وياسمينتها يحسدونه على الخروج معها..
وهي شردت قليلا، فكرت فيما يحدث ولا تدرك توصيفا له، أحيانا يفزعها ما وققت عليه من تفاصيل خالد، أحيانا أخرى تغرق في حيرة غير متناهية، تود لو أنه لم يجعلها تعرف أمره وتعتاده هكذا..
لو لم يكشف لها حقيقته كما يراها..
كانت تود لو رأته بعينها هي لا بعينه.. عين العاشقة لا الكاره..
فهي قد أحبته وهو أيضا أحبها..
وإن كان من ثمة سؤال..
س: كيف ستنتهي حكايتها معه؟!
فالإجابة حاضرة بحالهما..
يكفيها أنها سوف تجعله يحب حبها له، تماما كما سوف تحب هي حبه لها.
المجموعة القصصية (نهار خارجي)
دار صفصافة للنشر والتوزيع

