الهورلا قيامة اللامنتمي
نبذة عن الرواية
في هذا الكِتاب، أقدّمُ بين أيديكُم قصّةَ الهورلا. وهي قصّةٌ من أعجَبِ ما كتبَ موباسان. ففضلاً عن أنّها تُعدُّ من قِبَل نقّادٍ كُثُرٍ سرداً لما اختبرهُ موباسان من تهيؤاتٍ في طريقِهِ إلى الجنون.. فإنّها تُعتبرُ أيضاً إحدى أهمّ ما كُتِبَ في فنّ القصّة القصيرةِ على الإطلاق. فمِنها سينهَلُ القارئُ الجادُّ دروساً في طبيعةِ الحياةِ، وسيغوصُ في أعماقِ العقل البشريّ المضطربِ ليرى فيهِ العجَبَ ويُدركَ جهله. وقد يؤكّدُ ما لِهذهِ القصّة البديعةِ من أهميّةٍ في عالمِ الأدبِ والنّقدِ، أنّ النّاقِد البريطانيّ الشهير هارولد بلوم قد عدَّها في كِتابِهِ: (كيفَ نقرأ ولماذا؟) واحِدةً من أهمّ ثماني عشرةَ قصّةٍ قصيرة. وإنّي أرى أنَّ على القارئِ – قبلَ أن يشرَعَ بقراءةِ القصّة – الإحاطة بمعنى عنوانِها «الهورلا». فما هي الهورلا؟ في تفسيرِ معنى الهورلا (Horlà)، سنجِدُ شيئاً من الغموض. لأننا حينَ نفتّشُ في الفرنسيّةِ فلن نجِدَ هذه الكلمة. ولكن، إن قسَمنا الكلمةَ إلى نصفَين: (Hors) و(là) فستتّضِحُ الصورةُ أكثر. حيثُ أنَّ كلمةَ (Horsتعني: (خارِج) أو (منفصِل). وكلمة (là) هي اسمُ إشارةٍ يدلّ في الفرنسيّة على البعيد (هُناك). وبذلك، يُصبحُ معنى الهورلا (Horlà) هُوَ: (الذي هُناك) أو (المنفصِل هُناك). وبشكلٍ أكثَرَ دلالةً، يمكننا أن نقولَ بأنّ الهورلا تعني: اللامنتمي. هذا أحدُ التفسيرَين. أمّا التفسيرُ الثاني فيقدّمُهُ النّاقِدُ هارولد بلوم في كِتابِهِ آنِفِ الذِّكر. فيهِ يطرحُ بلوم تفسيراً هو أقربُ للظنّ منهُ لليقين.. وهُوَ أنّ بطلَ قصّة الهورلا هُو رجلٌ مريضٌ بالزّهريّ (مثل موباسان) وقد هوى بهِ مرضُهُ في بئرِ الجنون. وبالتالي، يعتقِدُ بلوم أنّ كلمة هورلا (Horlà) هي مجرّد تلاعب لفظي مقصود، أرادَ بهِ موباسان توريةَ المعنى الحقيقي الذي قصَدَهُ، وهوَ الكلمة الإنجليزية: هُور (Whore) والتي تعني: عاهِرة. وبهذا الرّبط يقصِدُ بلوم أنّ مرضَ الزّهريّ (الذي هوَ مرضٌ تناسليّ ينتقلُ عن طريقِ الجنس) هو مِحور القصّة الحقيقيّ ومنبعُ هلاوِس بطلِ القصّة – كما قيلَ أنّهُ منبعُ هلاوس موباسان ذاتِه.عن الطبعة
- نشر سنة 2019
- 104 صفحة
- [ردمك 13] 9789933635114
- دار المدى
مراجعات
كن أول من يراجع الكتاب
-
malakelkafrawey88
هل تأكَّدتَ حقاً من أنكَ بمفردكَ الآن؟
قبل أن تخطو خطوتكَ الأولى في رحاب هذا العمل، تجرد من طمأنينتكَ واعلم أنكَ على وشك عبور برزخٍ لا يعود منه العقل كما كان. الهورلا ليست مجرد سطورٍ خُطَّت على ورق، بل هي فجوة سوداء فتحها العبقري "غي دو موباسان" في جدار الوعي البشري. هنا ينصهر الواقع بالوهم، وتتحول القراءة إلى تجربة سيكولوجية مرعبة، تجعلكَ بعد الفراغ منها تتلفت حولكَ مبهوتاً، متسائلاً بذهول: أكلُّ ما نراه هو كلُّ ما هو موجودٌ حقاً؟ أم أننا نعيش عمياناً في عالمٍ يحكمه أسيادٌ لا نراهم؟
تتنزل الرواية في قالب مذكرات شخصية حارقة، يسطرها رجل ميسور الحال، كان يعيش هانئاً في بيته الريفي الوادع المطل على نهر السين، حتى تسللت إلى حياته غاشية من الغيب. كائن أثيري خفي، لا تراه العيون ولكن تُحسُّ وطأته الخانقة، دُعي في عوالم الحيرة باسم الهورلا. لم يكن هذا الكائن طيفاً عابراً من أساطير الموتى، بل هو مستعمر سري بئيس، يقتسم مع البطل أنفاسه، يتجرع اللبن من كأسه في عتمة الليل، ويستل إرادته استلالاً حتى يتركه دُمية تحركها رغبات هذا الزائر غير المرئي. تتصاعد الأحداث في جحيم من الرعب النفسي، حيث يستميت البطل في الدفاع عن قواه العقلية ضد اتهامات الجنون، ويخوض معركة وجودية مريرة لقطع دابر هذا المخلوق الذي يرى فيه الوارث القادم لعرش البشرية.
لقد وقعتُ في أسر هذه الرواية منذ صفحاتها الأولى، وأثارت في نفسي ذهولاً وفضولاً لا ينتهي. إن القيمة الحقيقية للهورلا لا تكمن في إثارة الهلع، بل في الفلسفة الشاهقة التي نضح بها قلم موباسان.
لقد أراد الكاتب أن يصفع الكبرياء البشري صَفعة مدوية، ويثبت عجز حواسنا ومحدودية مداركنا؛ فنحن قاصرون عن رؤية الأبعاد الحقيقية للكون. والمذهل هنا، أن الكاتب صهر مخاض جنونه الشخصي وهلاوسه المطبقة في هذا العمل، ليخرج لنا بزفرة وجودية مرعبة: هل نحن حقاً أسياد هذا العالم؟ أم أننا مجرد مرحلة انتقالية تافهة مآلها الزوال أمام كائنات أرقى وأعتى؟ إنها تشريح عبقري ومخيف لفكرة فقدان السيطرة على الذات.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أشيد بحرارة شديدة بالترجمة العبقرية للمترجم عماد العتيلي. لقد استطاع بنبوغ واقتدار نقل الأجواء الوجدانية المعقدة للنص الأصلي إلى لغة عربية رصينة، بليغة، ومتينة السبك. لم تكن الترجمة مجرد نقل للألفاظ، بل كانت إحياءً لروح المأساة، وجعلت الاضطراب النفسي والخوف الخانق يتدفقان بسلاسة مذهلة في وجدان القارئ العربي، مما أضفى على التجربة متعة باذخة ومضاعفة.
التقييم: 4/5
#malakelkafrawey
#booklover #bookstgram #photography













