ألحدقي
أبي عثمان عمرو بن بحر المشهور بالجاحظ
أحمد فال ولد الدين
دار البشير للثقافة والعلوم
عدد 424 صفحة
نشر عام 2022
الكتاب رقم 25 من العام 2026
تطبيق ابجد
قارن الجاحظ بين الدوانيق التي يكسبها بعد ساعات من الجلوس على النهر، وألوف الدنانير التي يقبضها شاعر في لمح البصر، فخفق قلبه. ثم تذكر أمَّه التي تركها في البيت واقفة بين العجز والفقر، مفكِّرًا كيف ستكون لو جاءها في يوم واحد بألف دينار، وهي التي لم تملك في حياتها عشرين دينارًا.
تخيَّل نفسه ناظمًا قصائد طوالًا في مدح يحيى البرمكي وهارون الرشيد. لكنه ما لبث أن شعر بوخز بين أضلاعه. غاب عنه حديث الوراق، وذهب خياله إلى صورة شاعرٍ يئنُّ تحت الجَلْد، ونظارةٍ يصفِّقون، وسياطٍ تعلو وتهبط في مقدمة سفينة أزال يسراه من تحت ذقنه محركا راسه وكأنه يطرد الأفكار التي غزته، متأمِّلًا الزقاق المكتظَّ بالمارَّة.
الجاحظ هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري، أديب وعلامة عربي كبير من أعلام العصر العباسي، وُلِد في البصرة نحو عام 159 هـ (776 م) وتوفي فيها عام 255 هـ (868 م). وسمي بالجاحظ لبروز عينه وكان مسلماً، وهو أحد أئمة الأدب والعلم وقد انتمى إلى فرقة المعتزلة الفكرية وكانت آرائه كثيره في العقائد وعلم الكلام ومن أشهر كتبه الحيوان، والبيان والتبيين، وكتابه الأشهر البخلاء.
الحدقي" إنّما هو إلاّ كنية ولقب يستعمله الجاحظ كمفردة لينعت بها نفسه ويجعل من حوله ينادونها بها فكان العنوان مميّزا جدّا.
الرواية هي سيرة أبو عثمان عمرو بن بحر، الملقّب بالجاحظ لبروز عينيه من حدقتيهما الواسعتين.
سنشهد أبرز محطّات حياته ومسيرته.
الرواية ببن الماضي والحاضر فنعيش تارة أحداثا تدور بالدّوحة عاصمة قطر سنة 1438 و1440هجري الموافق للفترة ما بين 2016 و2020م وطورا احداثا بالبصرة وبغداد اواسط الخلافة العباسيّة امتدت منذ سنة168-170 إلى سنة 255 هجري.
فترتين متباعدتين زمنيّا يفصلهما اثنا عشرة قرنا، عرف الكاتب كيف يجمع بينهما بكلّ ذكاء ويجمع بين قدر ومصير الشخصيّتين الرئيسيّتين إحداهما من الحاضر والأخرى من الماضي
تعرض رواية الحدقي بلغة عربية فصحى قصة كاتب صحفي موريتاني في قناة تلفزيونيه أراد أن يكون مدققا لغويا، ولكن صرامته أثقلت على الصحفيين فحولوه لقسم الوثائقيات، حيث طلب منه كتابة رواية تاريخية عن الجاحظ، وتتعاقب في الرواية الأحداث بين قصة الصحفي التي اختزلها الكاتب في علاقة عاطفية مع فتاة سعودية مهاجرة في قطر، وبين مشاهد من حياة الجاحظ التي طغت على معظم صفحات الرواية بلغة فصحى قويه.
يصف الكاتب بشكل ممتع جو مدينة البصرة في نهاية النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، ويرصد محطات حياة الجاحظ منذ طفولته وولعه بالعلم وتلمذته على الخليل بن أحمد الفراهيدي، ثم اندماجه في جماعة المعتزلة "أهل العدل والتوحيد" مع العلاف والنظام، ومناظرات الفرق في المدينة المتنوعة، وولعه بالوراقين والتأليف حتى ذاع صيته وتلقى الأعطيات من الولاة، فاستدعاه ابن الزيات لبغداد وأعانه على التفرغ للتأليف، ليصبح ابن الزيات وزيرا للمعتصم ثم يشي به الوشاة لينتهي مقتولا، فيتفرغ الجاحظ للتأليف حتى أصابه الفالج بعد أن أصبح مرجعا للعامة والخاصة من الشعراء والعشاق يفدون إليه ويستشيرونه في قضاياهم وهو ملقى على جنبه بين كتبه التي كان سقوطها سبب وفاته..
أزمنة الرواية:
يوجد في الرواية أزمنة متعددة؛ منها زمن الراوي، وزمن الوقائع، وأزمنة أخرى تاريخية تستدعيها تقنيات السرد، والمواضيع التي يطرقها البطل الجاحظ، وتنتسج من حول حياته الزاخرة خيوطُها، وبنى ابنُ الدين روايته من قصتين أساسيتين: عمل من خلال إحداهما على "تخييل واقع" من غرفة أخبار قناة بدولة قطر وعاصمتها الدوحة في القرن 21؛ وبذلك تمكن الكاتب من الانتقال السلس إلى المزج الرصين بين البعد الواقعي في حياة الجاحظ الحقيقية التي عاشها في الربع الأخير من القرن الثاني الهجري، وسلخت عقودا من القرن الثالث، وهي القصة الثانية.
القروي، أو محمد القروي، شاب موريتاني في ذروة عطائه المهني والأدبي ترمي به الأقدار للعمل مدققا لغويا في غرفة أخبار "قناة العروبة"، وما يلبث تطرفه في الانحياز للسليقة العربية أن يخلق له عداوات في العمل، ثم يروح ضحية صراع لولبيات يعرف نمَطَهُ العاملون في المؤسسات الكبرى في وطننا العربي لكن الأقدار تختار لمحمد القروي "طريق اخر فإبعاده من غرفة الأخبار يمر عبر تكليفه بكتابة رواية تنوي القناة تحويلها إلى مسلسل تاريخي عن الجاحظ.
لا ينقضي تداخل زَمَنَي الجاحظ(الحدقي) والقروي عند اهتمامهما المشترك باللغة العربية؛ فزمناهما الثقافيان بينهما تشابه أيضا؛ حيث يعيش الجاحظ في زمن بدأت فيه الشعوبية تطل برأسها، وبدا التشكيك في أهلية العربي، وقدراته، ومكانته بين الأمم حديث مجالس، وفاكهة سمار؛ فهو معاصر لأبي نواس صاحب النزعة المشهورة ضد العرب، والتي للمفارقة ضمنها أعذب قصائده العربية.
وإضافة إلى تشابه الزمنين تتشابه أقدار القروي والحدقي؛ فترُدُّ تماضر حظيةُ الخليل بن أحمد خطبةَ الجاحظ، ويأبى والد "مطوعة بريدة"، أن يزوجها من القروي. و"مطوعة بريدة" هو اللقب الذي اختاره القروي للفتاه السعودية حصة، التي تعمل بالإدارة التقنية بقناة العروبة، وتنتهي إلى الفشل خفقة قلبي الراوي والبطل. وتحكم الأقدار بأن يزول فقر الجاحظ برواج إحدى رسائله لدى الوزير ابن الزيات، وتختار حلا مشابها لأزمة القرض المالي الذي أرهق القروي؛ فتتعاقد معه شركة جوجل التي وتخرجه من ورطته نتيجةَ تقدير الشركة لجهده في تصحيح الترجمة الآلية.
يقع ذلك بعد أن كاد القروي يفقد الأمل، وقد لفظته مكاتب "قناة العروبة" إلى الشارع، ومنعته القوانين المحلية من مغادرة البلاد ما لم يسدد دينه. وهنا يتجلى وجه آخر لراهنيه الجاحظ، فهو يعكس بطرف من حياته معضلة المثقف العربي، وصعوبة تحقيق الشرط المادي في ظل سلطة لا ترعى المواهب، إلا بقدر ما يخدم عقيدة البلاط.
الرواية:
تبدأ "الحدقي" قصة حياة الجاحظ من مشهد جلد الشاعر بشار بن برد سنة 186 من الهجرة، الذي ينتهي بموته تحت السياط، وتنتقل قاصَّةً صباحات الجاحظ ومساءاته متنقلا في دروب البصرة، وبين مخابزها وكتاتيبها.
ويتنقل الكاتب مع الجاحظ حيثما حلَّ في درب الوراقين، أو على شاطئ سيحان لاستقبال الصيادين، وانتقاء بضاعته من سمك الشبُّوط، ويتابعه وهو يبيعها بالتقسيط في سوق البصرة. وفي حركة رشيقة من قلم ابن الدين في أحد الحوارات الساخرة، الكثيرة، يتحول الفتى من عمرو إلى الجاحظ، ومعه يحمل القارئ في سياحة إلى حاضرة الثقافة العربية الإسلامية في وقتها، مدينة البصرة، وإلى سُرَّة زمان الثقافة العربية الإسلامية، القرن الثالث الهجري، حين ازدهرت المكتبات واستوى فن التأليف على سوقه.
وهنا يحاور القارئ شيوخ المعتزلة، كالنظام، وابن أبي داوود، ويساير شيوخ البخلاء مثل سهل بن هارون، ويواكب حركات المحدثين مثل علي بن المديني، ويسامر من الشعراء أبا نواس والبحتري وأضرابهما. ولا تلبث الأقدار أن تحمل الجاحظ إلى بلاط الخليفة المأمون ببغداد، بعد أن تلقف ابن الزيات إحدى رسائله، ويبدأ طور جديد من حياته.
لم يكن بلاط المأمون مجرد مجلس لسلطان مثقف شغوف بالعلم، محاور في كل الفنون؛ وإنما كان حضرة علمية تُجْبى إليه ثمرات عقول البشر، أحياء وأمواتا، فعلى مسافة خطوات من البلاط الغاص بعلماء العصر شيد أول مختبر ترجمة في العالم، واستدعي له مهرة النساخ، وعلماء اللغات، وأنفق عليه بسخاء من خزائن إمبراطورية يأتيها خراج المزنة أنَّى أمطرت.
وفي بغداد المأمون لمع اسم الجاحظ حتى صار واحدا من الأسماء الخمسة الأوائل، ونضج أسلوبه في التأليف، وأصبح علامة مسجلة للقرن، وللجاحظ الذي أهدى العالم درر قريحته، في الحيوان والبيان والتبيين، والرسائل التي نثر فيها علوما شتى بإتقان ينم عن موسوعية يرفدها عقل جبار؛ كل هذا تلقاه في بنية الحدقي السردية بأسلوب لا يخلو من طرافة، وحوار حاد. استغراقه في كتابة 'كتاب الحيوان ‘و'البخلاء' و 'البيان والتبيين'.
كما تمكن الكاتب من خلق تكامل بين شخصيتي الراوي والبطل، مما ولَّد وحدة عضوية في الرواية، عبر الالتقاء بين القروي والجاحظ في اهتمامهما المفرط، أو قل: تعصبهما للغة العربية، وثقافتها؛ فالصورة التي يظهر بها القروي في مفتتح الرواية تعطي مسوغا واضحا لولوعه بشخصية الجاحظ من خلال:
· الفطنة وحب اللغة فمن الصٌفحات الاولى ننتبه لفطنة الجاحظ واهتمامه الشٌديد باللّغات واللهجات المختلفة وبنباهته وشدّة استماعه ماهر في انتقاء ألفاظه وبناء حججه. وكذلك القروي الذي دفع الثمن من خلال العداء والكره الى انهاء عقده.
· النواحي الاجتماعية حيث تتشابه الظروف باختلاف البيئات والعصور حيث أجواء البصرة بذلك الوصف الدّقيق للأزقّة المبلّطة بالحجارة والأسواق بأشكالها من سوق النخّاسين سوق العطارين درب الورّاقين حيث تجّار الكتب والاوراق والجلود والسّمرقندي والحبر ودكاكين البقّالين المختلفة الغاصّة بأصناف الحبوب والفواكه والخضراوات المجلوبة من العراق ومدن خراسان، الصيّادين والسمٌاكين والباعة المتجوّلين. وبالمقابل نجد قطر في افق التطور التكنلوجي والاقتصادي حيث الكافيات والمولات والمكتبات والقنوات الإخبارية وغيرها.
· العقيدة: فالجاحظ كان من المعتزلة وكان العصر العباسي مليئا بالأعراق والديانات والطوائف من نصارى ويهود ومجوس. إلى الى الصراعات الفكرية وعلم الكلام مع التركيز ايضا عللي الحياة العامة والتي تخصٌ العبيد والجواري والغلمان والخدم والمخصصين وسكان البصرة وبغداد. وبالمقابل نجد القروي غارقا في السياسة وان حاول تجنبها فهجرته من بلده كانت هروبا من واقع سيئ الى واقع أفضل ليجد نفسه في صدمة حضارية ومحاولات فهم الواقع وقرض بنكي وراتب مرهون وامور أخرى كثيره
· الثقافة والعلم: تلك الفترة كانت مزدهرة خاصّة في المجال الثٌقافي والعلميٌ. وقت امر فيه الخليفة هارون الرشيد بإحصاء العلماء والطلاٌب في البصرة فوجدوا فيها 700 عالم و11 ألف متعلّم. وقت يجتمع فيه المتعلٌمون والعلماء بالمساجد ويناظرون بين من يقول بالسنوية ومن يقول بالوحدانية إضافة الى اهميٌة "ببت الحكمة" التٌي مُلِأت آنذاك بالتٌرجمات من سريانية وهنديّة وعبريّة ويونانيّة وقبطيّة وفارسيّة وحبشيّة وذكر لأهم المترجمين كابن إسحاق والحجّاج بن مطر. وفي قطر نجد الثقافة والعلم والمكتبات بقيت الوسائل واختلفت الطرق فقط
· السلطة والخلافة، فذكر الصّراعات السياسيٌة والخلافات حول السٌلطة، منها اشتداد الحرب بين الامين والمأمون. والهويّة وتشتتّ الهويّة بين الخلافات وهذا برز أكثر مع القروي في ظل أزمات العصر الحديث.
· اللغة فيجب الإشارة ايضا أنٌ قناة 'العروبة' او الجزيرة مكان عمل الكاتب جمعت العديد من الجنسيّات بمختلف لكناتها ولهجاتها وهكذا استهل احمد فال الدين روايته بالتّركيز على اللغة بمساحة جمعت بين كلٌ من البلدان والثقافات كما هو الحال أيضا في زمن الخلافة العباسيّة فقد كانت مسرحا ومزيجا من الجنسيّات من هنود وسندين وروم وزنوج وغيرها ربّما ليبرز تعايش الحضارات وجمع اللغة بينهم.
· رمزيه العروبة بدل الجزيرة هي للنظر في اصولنا العربية ولكن بدت تنقل صورة مخالفة وتراجعا في زادنا اللغويّ منه وغيره وبذلك يعكس تقهقر مجتمعاتنا بعدم عودتها إلى تاريخنا المجيد وأخذ العبر منه بعدم البحث في هويّتنا. عالم طغت عليه الصّورة والاستهلاك والتصنّع والزّيف ولم يعُد يأبه للعُمق والاجتهاد ومحاولة الرُقيّ وتطوير ما خلّفه لنا أجدادنا واخذ الدّروس من تاريخنا وتفادي الاخطاء السّابقة والانسياق الاعمى نحوي ثقافات حضارات اخرى ببنما نحن لدينا ارقاها.
















