"تقرير إلى أب مؤجل... أوهام الهوية ترفض حقائق التاريخ"
الأرض شعوب، لكل منهم لغته، دينه، هويّته، دائمًا ما نتساءل: ما سبب اختلاف الهوية من مكان لآخر؟ وهل الهويّة فرض قديم جبري، أم اختيار حر ينكشف عبر المستقبل؟ هل المدينة قادرة على احتضان أهلها؟ وما هي المدينة؟
في هذا النص الروائي نتطرق لهذه التساؤلات، من خلال حكاية قاتمة، حزينة، وبديعة كذلك، تمسّ كل إنسان، كل من يرغب في حق الحياة، أن يعيش كما يؤمن، ليس كما تقرر الظروف.
يبدأ النص بافتتاحية مبهرة تتأمل طائر النورس، الطائر القادر على التكيّف مع اختلاف الظروف والبيئات، الذكي في اقتناص قُوته مهما ندر المُتاح، استعارة مدهشة وموفقة للغاية، تنطبق على بطل الرواية، وكل من يعيش رحلة معاناته، محاولًا البحث عن أصله، وحقه في حياة مطمئنة.
نعرف الحكاية من "راضي"، فجاء السرد على لسانه، وكان اختيار موفقًا من الروائي؛ فنلتحم مع "راضي" بكل همومه وآلامه، نشعر به، ونأمل معه أن يعثر على أباه، الذي يسرد له كل ما سيواجهه.
المكان هنا في الرواية حي الصفيح، حيث الفقر المجدب، البيوت البسيطة، والنفوس المهشّمة، يتعرض "راضي" لأحداث ظالمة يجد نفسه بعدها في بيت أجبر على العيش فيه تحت رعاية "مروى".
"مروى" هي من اعتنت به بصحبة ابنها "مراد"، صديقه الذي سيكبر معه، أرى "مروى" هي أفضل شخصية في النص، هي مفتاحه، ومحور أحداثه وأفكاره؛ فهي الرابط بين ماضي "راضي" ، ومستقبله، و "كابرييل" الغامض.
"كابرييل" هو شخصية تم نسجها بضبابية مرغوبة، وتتضح مع الصفحات نواياه، إسباني الجنسية، ربما في إشارة من الروائي للاحتلال الإسباني الذي غزا دولة المغرب، أو أي عدو يقتنص حق الأهل في أرضهم.
خلال النص نفكّر مع "راضي" كيف يواجه كل ذلك، وتأتي عبارة رائعة على لسان "مروى" معبرة عن حال كل شخصيات الرواية:
"لست مضطرًا أن تكون عبدًا للمال، ولا عبدًا لغريزتك، هناك مساحة واسعة يمكننا أن نختارها لأنفسنا". هذه المساحة هي الحد الأدنى من الأمن، الحرية النادرة، السماح بالتمتّع بهوّية لا تخضع لأي شخص أو جهة.
أبدع الروائي في السرد، سحر لغوي أدبي في غاية النضج والثراء والقرب من الوجدان، سرد يتّسق مع لغته بتناغم عبقري، أما عن الحوار فكان في رأيي من أهم ما يميّز هذا النص؛ في كثير من الأحيان يُقال أن الحوار الكثير يقلل من النص الروائي، وأن الرواية فن السرد، في هذه الرواية الحوار له دور كبير وتم توظيفه باحترافية عالية، ورغم كثرته لم أشعر معه بأي إسهاب أو رغبة في حذف أي جمل حوارية، جاء الحوار خادمًا للنص، والشخصيات، وفي مواضعه المناسبة.
لكل نص روائي مشهده الذي يعلق في الأذهان، ولو اخترت مشهدًا واحدًا من النص لكان من نصيب "وليد ابن مرزوقة"، رغم أنه مشهد لم يخدم الحدث بشدة، إلا أنه خدم فكرة النص ببراعة، قدّم "وليد" انعكاسًا لكل ما ستعاني منه باقي شخصيات الرواية، وظل تأثيره مصاحبًا لوجداني إلى آخر صفحات النص.
من الشخصيات كذلك البديعة في العمل شخصية "فاطم"، السيدة العنيفة القاسية، بسلطتها، وحقدها، ودورها في كشف الكثير من الحقائق عن "راضي"، استطاع الروائي أن يخلقها بكل تفاصيلها فبدت حية حقيقية.
مع الأحداث تختلط الأنساب والأسماء، ونرى أن ليس "راضي" وحده مَن يعاني، بل هناك كثيرون، من يبحث عن أب أو أم، أولاد الزنا، ساكنو النفايات، يبحث "راضي" عن آخر حلوله كي يجد أباه، كي يعرف ذاته.
وما يخص الذات، فقد أبدع الروائي في هذا الشق؛ أعجبني للغاية حوارات البطل الداخلية، الممزوجة بلمحة خيال رائعة، خلقت حالة من الجنون، جعلتنا نتساءل: من هو؟ وأين هو؟ ومن نحن؟
كتب "راضي" الكثير، دوّن جل ما رآه، ظن أن القلم قد يحفظ تاريخه، لكن هل هذا حقيقي؟ جاء اعتراف مدهش في حوار يقول: "لعبة السرد لا تصنع نسبًا إلى آباء وهميين، ولا إلى مدن لم نكن فيها يومًا".
نهاية النص رأيتها بديعة، امتداد لتساؤلات وحيرة وقلق، ليتوّج بها هذا النص الروائي العبقري، أرى هذا "التقرير" ملحمة أدبية ستخلد في ذكرى كل قرائه، وسيظل نصًا قويًا يفخر به الأدب العربي.


