نوفيلا رائعة مكتوبة بأستاذية وموهبة لا تخفى على قارئها
مشوار مع فتاة ميتة > مراجعات رواية مشوار مع فتاة ميتة
مراجعات رواية مشوار مع فتاة ميتة
ماذا كان رأي القرّاء برواية مشوار مع فتاة ميتة؟ اقرأ مراجعات الرواية أو أضف مراجعتك الخاصة.
مشوار مع فتاة ميتة
مراجعات
كن أول من يراجع الكتاب
-
شريف مصطفى
"مشوار مع فتاة ميّتة.. بعض البشر لا يتحررون من أثقالهم ولو بالموت"
خُلق البشر لكل منهم حمله، مسؤوليته الخاصة، أقدار لا تتغير، أصول مفروضة لا مفر منها. منهم من يصارع لتغيير مصيره، ومنهم من يعجز ويستسلم لعقبات الدنيا.
يأخدنا النص في رحلة مع "خفاجي"، رجل وجد نفسه يحمل فتاة ميتة، مسؤولًا عنها على طريق دمياط بورسعيد، ويعاني من أجل الوصول لجهة يشعر فيه ببعض الراحة.
المكان في الرواية حي بتفاصيل دقيقة: صوت النورس، السمك، سيارة التمساحة، استطاع الروائي أن يصيغ المكان بوضوح، ونجح في تحقيق مشهدية رائعة، كذلك اهتمامه بتفاصيل زمن أحداث الرواية عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين جاء مبهرًا، مضيفًا مصداقية وواقعية لكل حدث.
كتابة نص أحداثه تمتد لمدة ساعات فقط هو أمر شاق للغاية، تم نسج التفاصيل بتدرّج وإتقان لضبط الإيقاع، ولفت انتباه القارئ لكل ما هو جديد.
لغة النص سلسلة، معبّرة، مناسبة للمكان والزمان، لغة روائية، إلا أنني في مواضع كثيرة من النص شعرت أني أقرأ نصًا مسرحيًا وأعتقد هذا له أكثر من سبب: أولًا كثرة الجمل الحوارية القصيرة، تقولها الشخصيات بتبادل سريع حمل أجواء الكتابة المسرحية، ثانيًا: وحدة المكان رغم أن الأحداث في الطريق والفضاء الواسع، لكن يظل هناك شعور بوحدة مكان، وانتقال الصفحات هو أشبه بانتقال أكثر من منظر لفصل مسرحي واحد، وثالثًا وحدة الحدث، صحيح أن النص نجح في تطوير تفاصيله، إلا أن الارتباط بحدث رئيسي وحيد حددّ عالم الرواية المتعارف عليه بثراء عوالمه.
شخصيات النص قليلة وفي موضعها باتّساق رائع، أرى شخصية "العربجية" هي أفضلهم؛ تمتّعت بروح حاضرة، وخفة ظل، ودوافع ظاهرة في سلوكها، بل في كثير من الأحيان شعرت أنها أهم شخصية في العمل.
لم يسهب الكاتب في أي وصف، المشاهد جاءت دقيقة تصيب هدفها بامتياز، أود الحديث عن مشهدين بالتحديد لهما ثقل فني ملفت: أول مشهد هو وضع الورود والشوكولاتة بجانب الفتاة الميتة، شعرت كأنها استيقظت للحظة، وأرادت العودة للحياة معترفة بوجود نفوس طيبة وسط زحام الشرور، والمشهد الثاني هو ضجاع "خفاجي" للفتاة الميتة، مشهد بديع وقاسٍ لأقصى درجة، مشهد انتقامي من كل أحمال الدنيا التي كُتبت عليه قسرًا طوال عمره.
وصف الكاتب "خفاجي" بعبارة دقيقة للغاية في موضعها "إنه مجرد رجل فقد القدرة على التخيّل، لا يحتاج إلا لتجسيد الوعد كي يستسلم"جملة بديعة، منها ننتقل لصراع وضع أمامه في سبيل الحفاظ على الفتاة الميتة، كيف سيتصرف إذا وُضع أمامه ثمن يعوّض كل ما فاته، وهو من عاش لأهله فقط ناسيًا كل ما له.
الحكاية ليست حكاية "خفاجي" فقط، والطريق ليس طريق "دمياط بورسعيد" وحده، هي حكاية الكثير من البشر، من يحملون على أكتافهم أقدارًا، ومسؤوليات، وربما خطايا، فكيف سينجحون في الهروب من رواسخ الماضي ويعيشون حياة لا يشعرون في رحلتها بمخاوف الموت؟!
تجربة أدبية مختلفة وممتعة، لها طابع إنساني خاص، استطاع النص ببساطة وقوة تأثير أن يحقق الكثير، وينجح في طرح أفكار حسّية إنسانية تمسّ كل قارئ محب للأدب.
-
BookHunter MُHَMَD
منذ العمل الأول لمحمد أبو النجا وأنا أتابع مشروعه الأدبي باهتمام. قرأت أعماله الأربعة حتى الآن. وفي كل مرة كنت أجد شيئًا يخصه هو. عالمًا له ملامحه الخاصة. غرابة وفانتازيا وشيئًا من العبث. وأماكن وشخصيات مهمشة تتحول في كتابته إلى مركز للحكاية. وفي معظم أعماله هناك أيضًا ذلك الحضور القوي للذاكرة. للبحر والماء والأماكن القديمة. ولزمن الثمانينيات والتسعينيات بما يحمله من تفاصيل وحنين.
«أغنية الوالي» كانت الاستثناء من ناحية الزمن والمكان. لكنها لم تكن استثناء من ناحية الروح. انتقل فيها إلى عالم تاريخي مختلف. واستمر في بناء عالم غرائبي وفانتازي له قوانينه الخاصة. أما «الباروني» فكان أكثر الأعمال التي شعرت فيها بأن الفانتازيا مرتبطة بفكرة فلسفية واضحة. باب يفصل بين عالم الحياة وعالم الموت. وشخصيتان تقفان على طرفي هذا الباب. ومع تقدم الأحداث يصبح الباب نفسه مركز الحكاية ومعناها. وفي «الوصفة الغريبة» اتسعت مساحة الفانتازيا والحكاية والحضور الحكائي الذي يقترب أحيانًا من أجواء «ألف ليلة وليلة».
ربما لهذا السبب كنت أنتظر «مشوار مع فتاة ميتة» بشيء من الترقب. ليس فقط لأنني أحببت أعمال أبو النجا السابقة. ولكن لأنني أشعر أن الكاتب يملك مشروعًا يتشكل أمامنا. وكل عمل جديد منه هو فرصة لاكتشاف كيف سيتطور هذا العالم.
الرواية تبدأ بعربية فخمة من عربيات منتصف التسعينيات تسير على طريق دمياط بورسعيد. وهو طريق أعرفه جيدًا ويرتبط عندي بذكريات شخصية. طريق تحيط به المياه من الجانبين في أجزاء منه. وتمنحه البحيرة والبحر والقرى والمزارع والمناطق المهملة المحيطة به طابعًا ساحرًا وغريبًا في الوقت نفسه.
على هذا الطريق تتعطل سيارة تقودها سيدة ومعها سائقها. ويظهر رجل يحمل فتاة ميتة. ومن هنا تبدأ رحلة خفاجي. السائق الذي يجد نفسه يحمل جثة فتاة مراهقة ويحاول الوصول بها إلى أبيها في بورسعيد.
الحكاية في ظاهرها بسيطة. لكن الطريق يتحول سريعًا إلى عالم كامل. كل محطة تفتح بابًا لحكاية جديدة. وكل شخصية عابرة تترك وراءها شيئًا من ماضيها أو حلمها أو بؤسها. القرى والقهاوي والعربات والصيادون والعربجية. كلها تتحول إلى أجزاء من رحلة واحدة. ومع كل انتقال نشاهد وجهًا جديدًا من وجوه هذا العالم.
وهنا واحدة من أهم نقاط قوة الرواية بالنسبة لي. السرد.
محمد أبو النجا يكتب بلغة فصيحة سلسة. ويعرف كيف يحافظ على التشويق من غير افتعال. واختياره للراوي العليم. رغم أنه اختيار كلاسيكي وقديم نسبيًا. خدم الرواية جيدًا. لأنه سمح له بأن يتحرك بين الشخصيات والمكان والذكريات بسهولة. وأن يمنح الشخصيات العابرة مساحتها من غير أن يثقل الحكاية بتفاصيل زائدة.
كما أن الشخصيات الثانوية في الرواية مكتوبة بعناية. معظمها يظهر لفترة قصيرة. لكننا نعرف عنها ما يكفي لكي نشعر بأنها ليست مجرد أدوات لتحريك خفاجي من محطة إلى أخرى. لكل شخصية حكايتها الخاصة. وفي أحيان كثيرة تتقاطع هذه الحكايات مع بعضها بطريقة جميلة.
والأهم أن الرواية مشوقة فعلًا. وأنا لم أشعر بثقل الرحلة رغم أن معظم الأحداث تدور في الطريق نفسه. بل على العكس. كان الانتقال من مكان إلى آخر هو المحرك الأساسي للحكاية.
لكن هناك نقطة ظلت تؤرقني بعد الانتهاء.
الرواية لا تجعل الغرابة في وجود الجثة نفسها. الجثة ميتة طوال الوقت. والناس الذين يقابلهم خفاجي يعرفون أنها جثة. لا أحد يتعامل معها على أنها حية أو يشك في ذلك.
الغرابة في طريقة تعامل الناس مع الموت.
رجل يحمل جثة فتاة في الطريق. ومع ذلك لا يبدو الأمر بالنسبة إلى معظم من يقابلهم استثنائيًا بما يكفي ليثير الخوف أو التساؤل أو حتى الرغبة في تقديم المساعدة. لا أحد تقريبًا يتوقف طويلًا عند سؤال من ماتت. أو كيف ماتت. أو لماذا يحملها رجل بمفرده. وحتى عندما تظهر فرصة طبيعية للتدخل أو طلب الشرطة أو النجدة. لا يحدث ذلك بالشكل الذي يتوقعه القارئ.
يتكرر هذا في أكثر من محطة. حتى تصل الفكرة إلى درجة من العبث تجعل الجثة نفسها تبدو أحيانًا أكثر حياة من البشر الذين يحيطون بها.
وهذه فكرة جميلة جدًا. بل ربما هي أجمل أفكار الرواية. الموت الذي يفترض أن يكون أكثر الأشياء قداسة ورهبة يتحول إلى شيء عادي. والجثة تتحول إلى مجرد شيء يشغل مقعدًا في قهوة. أو حمل زائد في عربة. أو مشكلة صغيرة في طريق رجل يريد الوصول إلى وجهته.
وأظن أن الرواية تريد من خلال ذلك أن تقول شيئًا عن فقدان الإنسان لحساسيته تجاه الموت. وعن عالم أصبحت فيه العلاقات الإنسانية محكومة بالمصلحة والشكليات والتعامل مع الآخرين باعتبارهم أشياء يمكن الاستفادة منها أو التخلص منها.
لكنني كنت أنتظر من الرواية شيئًا آخر.
ليس تفسيرًا مباشرًا. وليس بالضرورة مفاجأة أو تويست. وإنما كنت أنتظر خيطًا يجعل كل هذه الغرابة تتجمع في معنى أكبر.
في أعمال أبو النجا السابقة كنت أشعر غالبًا أن الغرابة تقود إلى شيء. في «الباروني» مثلًا. وجود الباب بين الحياة والموت ليس مجرد فكرة فانتازية. الأحداث كلها تتحرك تدريجيًا نحو فهم معنى هذا الباب. وفي «أغنية الوالي» تتشابك الحكايات تدريجيًا لتكشف صورة أكبر من كل حكاية منفردة.
أما هنا فشعرت أحيانًا أن المفارقة تتكرر بأشكال مختلفة أكثر مما تتطور. الناس لا تبالي بالجثة. ثم لا تبالي بها شخصية أخرى. ثم تتكرر اللامبالاة في موقف جديد. وكل موقف في ذاته جيد. وبعضها شديد الذكاء. لكنني كنت أبحث طوال الوقت عن اللحظة التي ستتحول فيها هذه المفارقات من مشاهد عبثية متتابعة إلى دلالة أوسع.
وهذا تحديدًا هو الشيء الذي جعلني أنهي الرواية بإحساس من الإحباط البسيط. لا لأن النهاية سيئة. بالعكس. النهاية من الأشياء التي أعجبتني. مشهد العربية الكارو. والبنت العربجية التي كانت تريد النوم طوال الرواية ثم تنام فعلًا. والفتاة الميتة التي تصبح هي التي تقود العربية. والشخصيات التي تصعد إليها وكل واحد منها يحمل حلمًا أو غاية أو انتظارًا خاصًا به. نهاية مفتوحة وذكية وتناسب روح الرواية.
المشكلة عندي ليست في القفل. وإنما فيما قبله.
كنت أريد أن أعرف ماذا كانت كل هذه الرحلة تريد أن تقول لي بالضبط.
ربما يكون المقصود ببساطة هو العبث. أن الحياة لا تقدم تفسيرًا دائمًا. وأن الموت نفسه يمكن أن يفقد قدسيته وسط عالم فقد كثيرًا من إنسانيته. وربما يكون هذا هو المقصود فعلًا. لكنني شعرت أن الفكرة كان يمكن أن تذهب أبعد. أن تتحول من فكرة جميلة إلى تجربة فكرية تظل عالقة في ذهن القارئ بعد إغلاق الكتاب.
ومع ذلك. لا يمكنني أن أقرأ «مشوار مع فتاة ميتة» بمعزل عن الأعمال السابقة لأبو النجا.
وأعتقد أن أهم ما يميز تجربته حتى الآن هو أنه بدأ بالفعل في تكوين عالم أدبي يمكن التعرف عليه. ليس لأن كل أعماله تدور في المكان نفسه أو الزمن نفسه. فـ«أغنية الوالي» تثبت العكس. ولكن لأن هناك روحًا واحدة تتكرر. اهتمام بالغرابة واللامعقول. ميل إلى الفانتازيا. احتفاء بالحكاية. شخصيات مهمشة. أماكن لا تحصل عادةً على نصيبها من الأدب. وحضور دائم للماء والبحر والذاكرة في أعماله الأقرب إلى عالم بورسعيد.
كما أن لديه قدرة واضحة على جعل المكان جزءًا من الحكاية وليس خلفية لها. وهذا ظهر عندي بقوة في «مشوار مع فتاة ميتة». وربما كان ارتباطي الشخصي بطريق دمياط بورسعيد سببًا إضافيًا في استقبالي للرواية بهذه الطريقة. فالطريق هنا ليس مجرد مسافة بين نقطتين. إنه عالم كامل من القرى والمياه والقهاوي والوجوه والذكريات.
لهذا كله لا أستطيع أن أقول إن «مشوار مع فتاة ميتة» خيبتني بالمعنى الذي يجعلني أتراجع عن حماسي لتجربة أبو النجا. على العكس. ربما سبب ملاحظتي عليها هو أنني أحب مشروعه وأعرف ما يمكن أن يفعله بهذه الأدوات.
الأعمال الثلاثة السابقة حصلت مني على أربع نجوم. وهذه الرواية جعلتني أقل حماسًا قليلًا. لكنها لم تجعلني أقل اهتمامًا.
لأنني في النهاية لا أرى أمامي كاتبًا يبحث عن وصفة ناجحة ويكررها. أرى كاتبًا يجرب. ويبني عالمه. ويختبر أدواته من عمل إلى آخر.
وما أتمناه في أعماله القادمة هو فقط أن تظل هذه الغرابة التي أحبها عنده مرتبطة دائمًا بمعنى يوازيها في القوة.
فأنا استمتعت فعلًا بالمشوار.
لكنني بعد أن انتهى المشوار. كنت أريد أن أعرف أكثر: لماذا كان علينا أن نقطعه؟
| السابق | 1 | التالي |






