قراءة في رواية حاج مراد حاج مراد.. حين يصبح التمسك بالحرية فعلًا أخيرًا للمقاومة
ليست «حاج مراد» مجرد حكاية عن محارب قوقازي في زمن الحرب، بل عمل إنساني عميق يضع الإنسان في مواجهة السلطة والحرب والخوف، ويطرح سؤالًا مؤلمًا: ماذا يبقى للإنسان حين تُحاصر خياراته من كل جانب؟
يستند تولستوي إلى شخصية حقيقية هي حاج مراد، المقاتل القوقازي الذي وجد نفسه في صراع مع الإمام شامل، فلجأ إلى الروس بحثًا عن سبيل لإنقاذ أسرته. ومن هذه الحكاية الصغيرة يفتح تولستوي مساحة واسعة للتأمل في الحرب والولاء والسلطة والخيانة، دون أن يقدم شخصياته بصورة بسيطة بين خير مطلق وشر مطلق.
أكثر ما يلفتني في الرواية هو أن الحرب لا تظهر كبطولة، وإنما كآلة لسحق الإنسان. فخلف المعارك والأوامر العسكرية هناك أمهات تنتظر، وأسر تفقد أبناءها، وبيوت تُهدم، وأشخاص عاديون يدفعون ثمن قرارات يتخذها أصحاب السلطة. ولهذا تبدو الرواية في جوهرها إدانة للحرب أكثر من كونها رواية عن الحرب.
أما حاج مراد نفسه، فهو شخصية مركبة؛ شجاع وعنيد، لكنه ليس قديسًا ولا بطلًا مثاليًا. تحركه الرغبة في إنقاذ أسرته، كما تحركه الرغبة في استعادة مكانته ومواجهة خصومه. وهذه المنطقة الرمادية هي التي تمنح الشخصية قوتها وواقعيتها؛ فالبطل عند تولستوي ليس شخصًا بلا أخطاء، وإنما إنسان يحاول أن يحتفظ بكرامته وسط عالم لا يمنحه الكثير من الخيارات.
واللافت أيضًا هو رمز الشوك الذي تبدأ به الحكاية؛ نبات يقاوم الاقتلاع، حتى بعد أن تصيبه يد الإنسان. يتحول هذا الشوك إلى صورة رمزية لحاج مراد نفسه: إنسان يمكن أن يُحاصر ويُجرح ويُهزم جسديًا، لكن تظل داخله غريزة المقاومة ورفض الاستسلام.
وتتسع الرواية كذلك لتكشف الوجه الآخر للسلطة؛ فالقيادات السياسية والعسكرية لا تتحرك دائمًا وفق الحكمة أو مصلحة الناس، وإنما تتداخل لديها السلطة مع الغرور والمصلحة الشخصية والرغبة في السيطرة. وهنا يضع تولستوي الإنسان البسيط في مواجهة منظومة ضخمة لا ترى أحيانًا سوى الأرقام والأوامر، بينما يرى هو حياته وأسرته وكرامته.
ومن أجمل ما في «حاج مراد» أن تولستوي لا يجعل الاختلاف بين الروس والقوقازيين حاجزًا يمنع رؤية الإنسان في الطرف الآخر؛ ففي لحظات كثيرة تظهر مشاعر مشتركة تتجاوز الانتماء واللغة والزي العسكري. وكأن الرواية تقول إن الحرب هي التي تصنع المسافات بين البشر، بينما الإنسان في جوهره أكثر تشابهًا مما يتخيل.
«حاج مراد» رواية عن المقاومة، لكنها في العمق رواية عن الإنسان حين يحاول أن يحافظ على حريته وكرامته في عالم يريد منه أن يكون مجرد تابع.
سرد تولستوي هادئ ومباشر، لكنه يحمل تحت سطحه طبقات كثيفة من الدلالات؛ ولذلك لا تحتاج الرواية إلى أحداث كثيرة كي تترك أثرًا كبيرًا. إنها من الأعمال التي تنتهي من قراءتها، ثم تكتشف أن السؤال الحقيقي لم ينتهِ بعد.
رواية قصيرة في حجمها، كبيرة في أسئلتها، ومؤلمة في إنسانيتها.
