قدمت لنا الكاتبة المبدعة "منى عبد اللطيف" روايتها المتحدية "سِفر العمى"، فصولها قاطعة، متنها محير، لغتها آسرة، عباراتها رخوة، تموج بالزخم الأدبي والنفسي والفلسفي، نص يلفه الغموض ويغشاه الخطر، ربما هو أحد النصوص المقدسة لإحدى الديانات القديمة، أو الجديدة، الفصول تقدم حكايات ممتدة ومتداخلة، فيها نصوص طقوسية مكتوبة، ربما على ألواح من الطين مثل ملحمة جلجامش السومرية، أو على قطع من جلد البقر مثل كتاب الأڤستا الزرادشتي، أو على لفائف من أوراق البردي مثل كتاب الخروج إلى النهار في ديانة مصر القديمة، كانت الأجزاء مختلطة، وكان علينا إعادة ترتيبها.
عندما تَنَزَّل سِفر العمى، انقسم إلى فضاءات متنوعة، في البداية وبخلاف الكتب المقدسة التي بدأت صفحاتها بقصة البداية، فإن سفر العمى بدأ صفحاته بقصة النهاية، أصابتنا صدمه وانتابتنا حيرة، تسائلنا من عليه أن يموت ومن عليه أن يبقى؟، أردنا أن نعود إلى الحكاية من بدايتها، تابعنا الفصول الحائرة، واكتشفنا كل شيء مع توالي صفحات الرواية، ومع فصلها الأخير.
عندما تدلف من باب الرواية، ستجد نفسك داخل قصر مهيب ذي أجنحة متعددة، ستكون واقفاً في بهو هائل، تسمع أصوات ونغمات وهمسات وترانيم، تشم روائح البخور والسحر والماضي واللعنة، تشعر بالرجفة المقدسة تسري في أوصالك، تفرك عينيك وتنظر برهبة من خلال الضوء الواهن، ترى أربعين باب لأربعين غرفة عليها عناوين دالة وجاذبة، كل عدد من تلك الغرف يُشَكِل جناحاً من أجنحة القصر، أو أجنحة الرواية.
بالإضافة إلى سيناريو النهاية في مستقبل قريب، ذلك الذي طرحته الكاتبة في الفصل الأول من روايتها، اختارت منى عبد اللطيف نقاط زمانية لتغزل فيها روايتها، نقاط من نسيج العالم، نقاط في ذلك المكان الفسيح والزمان الممتد، نقطة أولى في التاريخ القريب في بور سعيد وقت العدوان الثلاثي وحكايات البيوت، انطلقت منها إلى نقطة أخرى في الماضي البعيد في كيميت القديمة حيث بدايات الصراع الأزلي بين الخير والشر، وإلى نقطة ثالثة هائمة في الواقع المعاصر بمشكلاته وتعقيداته، ومنه إلى المستقبل القريب حيث النهاية.
في حكاية ناجية في بور سعيد، ومن داخل البيوت، ومن وسط حكايات الناس والمكان، رأينا ناجية في هذا العالم وحدها أمام الظلم والغدر والغِل والكراهية والخديعة والخذلان، شهدنا ناجية تقطف التفاحة لسعاد عند ڤيلا المعطي، والشاب الإنجليزي الذي تلاقاها، رأينا مشهد الندي الحالم ثم مشهد الختان الدامي.
بعدها كنا نتألم مع ناجية، من خذلان أمها سكينة ومن رعونة امرأة خالها نجية، ومن غِل أختها عديلة التي عرفنا ما كانت تفعله مع نجدة ابنة خالها ومع فيروز ابنة عمها، وعرفنا ما حدث لابنها سالم، كنا نتألم مع ناجية من فرصها الضائعة واحدة تلو الأخرى واندفاعها نحو مصيرها المحتوم، شهدنا ما فعله الرجال والنسوة في حي العرب ببور سعيد، وفي ليلة الزار، وعندما جاءها العريس عوني السرجاني، ثم زيارتها لبيت عمها برهام صاحب عهد الحماية، ثم سر البردية التي تحمل صورتها.
من ناحية أخرى عرفنا الفتى الإنجليزي چوليان وبيت جده، ومرآته وبردياته، وقدومه إلى بور سعيد، ومبيته في تابوت حجري داخل الهرم الأكبر، وعودة أوسر وأبوفيس، واختفائه الغريب، ثم زواج ناجية في ڤيلا المعطي، التي التقت فيها بذاك الشاب الإنجليزي، ثم رؤيتها لامرأة المرآة، وإنجابها لأبنائها برهام وروح وتيسير.
وعندما كان آدم يبحث عن حقيقة اللاحقيقة، آدم الذي هو مرارة القهوة، والذي تجرأ على النظر، آدم ابن الشيطان، ونسائه اللائي لا ينتهين، ينتهك جثثهن ويسلخ جلودهن ويقطِّع أوصالهن، ومقتل نفسه الأخرى، أو عبد ربه، لهثنا مع تيسير وكتابه السري الذي لا نهاية له، وحكاية ست الحسن، ثم سعيه في النهاية لمقابلة عديلة.
وجدنا الصراع بين رع وأبوفيس في حكاية ديدوموس مع أوسر وتويا وماعت، وبحثه عن بئر الأقدار، ووصوله الأرض الوردية، ورحلة الزمان العجيبة،
في هذه الحكايات لم يكن هناك صراعات متعددة ولكن صراع واحد، طافت الرواية بكل الأحداث والمواقف والأفكار والمعاني والمشاعر، والمصالح التي يتدافع بعضها البعض، الغيرة والكراهية والغدر والختان وزواج الأطفال، الخير والشر، الجبر والاختيار، الوجود والعدم، الشك والإيمان، الواقع والخيال، الحقيقة والخرافة، تتابعت فصول الرواية، وتمازجت نقاط الزمان، وتداخلت الحكايات، في تلك الرحلات الحياتية المتنوعة.
هذا المزيج من كل المتناقضات صنع عالمًا يشبه عالمنا، يبدو أن العوالم التي تصنعها الروايات الجيدة، نجدها هي ذاتها العالم الحقيقي، مهما حاولت تلك الروايات أن تزعم أنها خيال، لا يوجد محض خيال، كما لا توجد محض حقيقة.
هذه الرواية جمعت بين ألوان عديدة من الكتابة، وجدنا فيها الكتابة الاجتماعية، والكتابة الواقعية، والكتابة الفانتازية، والكتابة التاريخية، والكتابة الأسطورية، والكتابة الديستوبية، وفوق كل ذلك الكتابة النفسية.
تستخدم منى عبد اللطيف مفردات اللغة بطريقة ساحرة، تضمها سويًا لتصنع عبارات فاتنة، ثم تفككها مرة أخرى لتصنع منها عبارات جديدة بمعانٍ جديدة، لا تستطيع أن تستبق أيًا من تلك التراكيب اللغوية، لكنك في نهاية كل فقرة ستشعر أن هناك شيئًا ما يشدك ويرفعك إلى تلك الفضاءات البعيدة، كما لم يكن اختيار أسماء الشخصيات مجانيًا، ناجية وآدم وروح وتيسير والراعي وقاسم بن عجب بن ذهب وغيرهم.
من وسط الحكايات وبينما كانت حكايات ناجية ومن معها تتمتد فوق صفحات الرواية، كانت هنا رموز كثيفة تطل علينا بين الحين والآخر من خلال فصول تتقاطع مع الحكاية، عندما كانت النصوص الأسطورية بلغتها المهيبة تسيطر على السرد في تلك الفصول، مثل نهاية العالم في الفصل الأول، ووصم ديدوموس وتويا من الفصل الثالث، وثنائية تيسير وآدم من الفصلين الرابع والسادس، وحلوى الراعي وخديجة من الفصل الخامس والعشرين، ثم انكشاف سلسال الألم مع روح من الفصل التاسع والعشرين وبعد ذلك لقائها مع قاسم بن عجب بن ذهب، وغرفة الهرم وأسراره في الفصول الأخيرة، حتى إعادة ترتيب أبناء ناجية في السطور الأخيرة للرواية.
كانت المعركة عنيفة قاسية، لا رحمة فيها، وكانت اللعنات تتطاير فوق روؤس الجميع، ناجية وأبنائها برهام وروح وتيسير، من سينجو، خيط طويل ممتد من ديدوموس إلى عصرنا، ممتلئ بالصراعات والأحداث والمشاعر والأفعال والأقوال، خيط طويل ركبه أبوفيس وتعلقت به تويا، ذلك الخيط الذي وصل إلى روح ابنة ناجية، وكان التساؤل دومًا هو كيف يمكن أن ينجو الإنسان الحقيقي وسط كل ذلك الحطام والخطر، ووسط كل تلك اللعنات الشيطانية والبشرية.
أدركنا أن جميع حجرات القصر نافذة على بعضها البعض، وأن جميع فصول الرواية مفتوحة على بعضها البعض، وأن الحكاية هي حكاية واحدة، وأن الإنسان واحد في كل الأزمنة والأمكنة، هي إذن حكاية الإنسان، حكاية الخير والشر، الحب والغدر، الأمل والخذلان، الحق والظلم، النقاء والخسة، العقل والجنون، الشك والإيمان، الجنة والجحيم، حكاية كل الأحلام وكل الكوابيس، وأدركنا أن هذا ليس سِفر العمى، بل سِفر النظر والبصيرة.
في النهاية، جاء الفصل الأخير ليكشف ما تبقى من أسرار، استرحنا لبرهة، لكن سرعان ما لاح الخطر من جديد، عدنا إلى الفصل الأول، وكررنا السؤال، من عليه أن يموت ومن عليه أن يبقى؟
تحية للمبدعة منى عبد اللطيف على هذه الرواية البديعة المراوغة.

