تبدأ رواية "الضفة الأخرى" الرواية الوحيدة للكاتب النمساوي "ألفريد كوبين" بوعد للانتقال إلى مملكة الأحلام، وعد يبدو كصفقة مع الشيطان، ونحن نعلم بالطبع أن الراوي سيوافق على العرض، وسينتقل إلى تلك المملكة، فليس السبب الوحيد هو الإغراءات المادية التي كانت مغرية فعلاً، ولكن لأنه رسام، ود أن يُزيد حصيلته التعبيرية، أو على الأقل ما يراه هناك سيكون مُحفزاً لرسم العديد من اللوحات، فالمندوب الذي حمل العرض وعد بأشياء مختلفة في هذه المملكة، وكم كان صادقاً في وعوده، فوافق الراوي على الذهاب برفقة زوجته إلى تلك المملكة رغم مشقة الرحلة، ولكنه تطلع إلى ما سيراه هناك، وخصوصاً أن صاحب الدعوة هو أحد أصدقائه القدامى "باتيرا" الذي أكد المندوب أنه ورث أموالاً طائلة، لا تُحصى ولا يُمكن عدها، وذلك ما جعل تلك المملكة ملكه، وقام ببنائها باستخدام أمواله الطائلة التي برر المندوب حصوله عليها، في قصة وكأنها حلم، ولكن نتيجتها ملموسة، فتلك المملكة موجودة بالفعل.
ومن اللحظة الأولى التي يطأ فيها الراوي مملكة الأحلام، تأخذه العديد من المفاجآت غير السارة، فتلك الوعود برؤية أشياء مختلفة، حسناً هي أشياء مختلفة فعلاً، ووجد العكس تماماً مما تصور، حاول المقاومة في البداية، لكنه ظل معلقاً برؤية صاحبه، ربما يكون الحل لكل ذلك العبث معه، ولكن مجرد رؤيته يحمل العديد من الإجراءات المُرهقة، فتلك المملكة غارقة في البيروقراطية، أحياناً تطلب بعض الأوراق، ثم لا يكون لها أي أهمية، والعكس، وتفاصيل مرهقة حتى يكل المرء من الغرض الذي يُريده، حتى الخروج من المملكة أشبه بسراب، فتصبح عالقاً في هذه المملكة، الغارقة في الفساد والظلم، فأين المفر؟
بالطبع، هذه الرواية بمثابة رمزية قد تكون دينية في أغلب الأوقات، وسياسية أحياناً، الأحداث مُربكة فعلاً وكأنك تحلم، وكلما تظن أن الجنون قد انتهى، تكتشف أننا ما زلنا نكمل في هذا العبث، والجنون المغلف لكل شيء، مشاهد كابوسية ممتدة بلا توقف، أحداث لا تعلم أهي حقيقية أم خيال؟ ولكن كيف يمتد الخيال إلى جميع سكان المملكة؟ كيف يؤثر ذلك الخيال على سكان المملكة وتجد نتائجه ملموسة فعلاً، فيختلط الواقع بالخيال، بلا توقف حتى النهاية فتجد مشاهد سقوط المملكة، وهو أمر متوقع بالطبع، سلسلة طويلة من الجنون والعبث، طويلة إلى درجة أنك تتساءل كيف سينتهي كل ذلك؟ والأهم متى سينتهي؟ شعرت أن تلك الفصول امتدت أطول مما ينبغي بكثير.
ختاماً.. رواية ذات أجواء ديستوبية مجنونة، تبدأ بوعد لجنة موعودة ما، ثم نكتشف أننا على موعد مع الجحيم، طالت أحداثها أكثر من اللازم، وربما تكون رمزياتها معقدة على مستويات متعددة، ولكنها تظل تجربة ممتعة، وتضيف إلى لقارئ، وخصوصاً عندما تعلم عن الكتاب الذين تأثروا بهذه الرواية في أعمال معروفة ولها وزن، وترجمتها جيدة جداً، ناهيك عن بعض الأخطاء الإملائية الملحوظة بشكل كبير، وجودة اللوحات المرفقة بالرواية لم تكن عظيمة مقارنة بطبعات أخرى تصفحتها كالإنجليزية والألمانية.

