《في مديح الحرية》
انتهيت من قراءة "كتاب الثورات" للمفكر المصري الراحل سلامة موسى، والذي استعرض من خلاله بشكل موجز أهم الثورات في التاريخين القديم والحديث انتهاءً بثورة الجيش - حسب وصفه - في يوليو ١٩٥٢. وفيما يلي بعض النقاط التي استوقفتني أثناء قراءتي وأردت مشاركتها معكم.
أبرز الثورات التي تناولها الكتاب هي: الثورات الإنجليزية، والثورة الأمريكية، والثورة الفرنسية، والثورة التركية، والثورة الروسية، والثورة الهندية، والثورة الصينية، والثورات المصرية الأربع:
الأولى بقيادة عمر مكرم،
الثانية بقيادة عرابي،
الثالثة بقيادة سعد زغلول،
الرابعة بقيادة الجيش.
أعجبني تشبيه الكاتب للتاريخ بالمركب الكيميائي الذي يتسلل إلى المخ فيبعث في النفس الأحلام والأماني، ويحرك الذكريات، ويصل بين الناس والأبطال، ويثير الحنين للضحايا، ويشعل الغضب على المستبدين والأوغاد.
كذلك رؤيته للتاريخ بأنه علم وفن في آن معًا، فهو علم من حيث رواية الحوادث وتتابعها، وفن من حيث استنباط العبرة وتقديم القدوة.
يؤكد سلامة موسى أنه لم يقف على الحياد أثناء حديثه عن الثورات، بل إنه يرى أن الوقوف على الحياد في قضايا تخص تحرر الشعوب من الظلم والاستبداد لا يصح، وأنه يتعين على الكاتب أن يعلن رأيه صراحةً بالانضمام إلى صفوف الثوار الباحثين عن الخروج من الظلمات إلى النور؛ نور الحق، والحرية، والكرامة، والشرف، والعدالة الإنسانية.
وفي حديثه عن دور الأدب في شحذ همم الشعوب وقيام الثورات وإحداث تغيير بالمجتمعات، يشيد موسى بالتأثير الإيجابي - حسب رأيه - لكتابي قاسم أمين عن المرأة «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»، اللذين أثارا نقاشًا واسعًا كان من ثماره أن أدركت المرأة أن الحجاب ذلٌ وهوان.
وفي الحقيقة أن ربط الحجاب بالذل والهوان أمرٌ سخيف يثير دهشتي واستغرابي وحنقي، فما علاقة الحجاب أو أي زي آخر بالمكانة التي حظيت بها المرأة في بلادنا على مر العصور؟
إن كان هناك من مخطئ فهو من يفرض أمرًا على الناس بالقوة اعتقادًا منه بأنه بهذا السلوك يطبق شريعة الله. فالمشكلة إذن ليست في الحجاب ذاته، وإنما في فرضه على الناس بالقوة. وبنفس المنطق، لماذا لا نلقي باللائمة على من قام بإلغاء الحجاب كما سنرى عند الحديث عن إحدى الثورات؟! أم أن الأمر خاضٌع لأهوائنا ومعتقداتنا، بعيدًا كل البعد عن الإنصاف والموضوعية؟!
خصص الكاتب مساحة من الكتاب للحديث عن الثورات التي اندلعت منذ فجر التاريخ لتحرير العبيد وإلغاء الرق، مثل حركة سبارتكوس في روما ٧٣ قبل الميلاد، وثورة الزنوج على العباسيين بقيادة علي بن أحمد، والحرب الأهلية الأمريكية وما انتهت إليه من إلغاء الرق.
لم يُخفِ الكاتب كذلك، عند حديثه عن الثورة التركية، انحيازه وإعجابه بما ينسبه إلى إصلاحات أتاتورك، ومنها ما يتعلق بالحجاب، إلى جانب مساواة الجنسين في الميراث، وغيرها من القرارات التي وقعت في نفس سلامة موسى موقعًا مبهجًا، انطلاقًا من الفكر العلماني الذي كان يؤمن به.
في خاتمة الكتاب تحدث موسى باقتضاب عن أربعة حكام لمصر عاصرهم، وهم عباس حلمي الثاني، والسلطان حسين كامل، والملك فؤاد، والملك فاروق.
أختم كلامي بالتأكيد على أن الحرية ستظل شعلة أمل لا تنطفئ، تسعى الشعوب إلى تحقيقها رغم قسوة الظروف؛ فتارة تنجح في أن تتنفس هواء الحرية والكرامة الإنسانية، وتارة يقمعها الطغاة والمستبدون، حتى تأتي أجيال أخرى تثور وتنتفض وتقدم أثمن التضحيات، إيمانًا منها بأن الحرية - كما قال الشاعر الإنجليزي جون ميلتون - هي خير المدارس للفضيلة.
بقي أن أشير إلى أن النسخة التي بحوزتي صادرة عن دار تمهيد عام ٢٠٢٤، وتقع في ٢٠٨ صفحات.

