المؤلفون > خالد صالح عطية > اقتباسات خالد صالح عطية

اقتباسات خالد صالح عطية

اقتباسات ومقتطفات من مؤلفات خالد صالح عطية .استمتع بقراءتها أو أضف اقتباساتك المفضّلة.

خالد صالح عطية

عدل معلومات المؤلف لتغيير تاريخ الميلاد أو البلد

اقتباسات

  • الخاتمة العامة

    ‫ سعت هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين الذاكرة الجماعية والسياسة في الحالة الألمانية المعاصرة، من خلال تتبع الكيفية التي أسهمت بها ذاكرة الهولوكوست في تشكيل الهوية السياسية للجمهورية الاتحادية الألمانية، وفي بناء علاقتها الخاصة بإسرائيل، وفي تحديد جانب مهم من خطابها الأخلاقي والدبلوماسي. كما هدفت إلى فهم التحولات التي كشفتها الحرب على غزة منذ عام 2023، وما أثارته من نقاشات حول العلاقة بين المسؤولية التاريخية الخاصة والكونية الأخلاقية داخل المجال العام الألماني.

    ‫ وقد أظهرت الدراسة أن الذاكرة الجماعية في الحالة الألمانية لم تبقَ مجرد وسيلة لحفظ الماضي أو استعادته، بل تحولت تدريجياً إلى عنصر فاعل في بناء الشرعية السياسية والأخلاقية للدولة. فبعد عام 1945 لم تُبنَ الجمهورية الاتحادية على سردية قومية تقليدية قائمة على البطولة أو الانتصار، بل على الاعتراف بالكارثة النازية ومواجهة آثارها. ومن هنا أصبحت مواجهة الماضي جزءاً من تعريف الدولة لنفسها، كما أصبحت الذاكرة مرجعاً أخلاقياً يوجّه جانباً مهماً من الثقافة السياسية الألمانية.

    ‫ كما بينت الدراسة أن العلاقة الألمانية الإسرائيلية لا يمكن فهمها من خلال منطق المصالح الاستراتيجية وحده. فهذه العلاقة تشكلت في سياق عملية أوسع من إعادة بناء الشرعية بعد الحرب العالمية الثانية، وارتبطت بصورة مباشرة بمفهوم المسؤولية التاريخية. ومع مرور الوقت انتقلت هذه المسؤولية من مستوى الاعتراف الأخلاقي إلى مستوى أكثر رسوخاً تمثل في إدماج أمن إسرائيل ضم

  • الفصل الخامس

    ‫ أزمة تفسير الذاكرة بين الخصوصية التاريخية والكونية الأخلاقية

    ‫ تمهيد

    ‫ كشفت الفصول السابقة أن الذاكرة الجماعية للهولوكوست لم تقتصر على كونها إطاراً لتفسير الماضي، بل أصبحت جزءاً من الهوية السياسية والأخلاقية لألمانيا الحديثة. كما أظهرت أن العلاقة الخاصة مع إسرائيل تشكلت في سياق هذا الإرث التاريخي، وأن الحرب على غزة أعادت طرح أسئلة جديدة حول حدود المسؤولية التاريخية وكيفية ترجمتها إلى مواقف سياسية معاصرة.

    ‫ غير أن أهمية هذه الأسئلة لا تكمن فقط في علاقتها بالسياسة الخارجية الألمانية أو بالصراع الفلسطيني

  • المتجددة بمسؤولية تاريخية تجاه اليهود وإسرائيل، تبنت ألمانيا الشرقية خطاباً معادياً للصهيونية وقدمت نفسها بوصفها دولة مناهضة للفاشية لا تتحمل المسؤولية نفسها عن جرائم الماضي. وتكشف هذه المفارقة أن العلاقة الألمانية الإسرائيلية كانت أيضاً نتاجاً لصراعات أيديولوجية وسياسية داخلية، لا مجرد نتيجة مباشرة للهولوكوست وحده (Herf, 2016).

    ‫ ثانياً: بناء العلاقة الخاصة

    ‫ شهدت العقود اللاحقة توسعاً مستمراً في العلاقات الألمانية الإسرائيلية. فقد أُقيمت العلاقات الدبلوماسية الرسمية عام 1965، وتطورت تدريجياً لتشمل مجالات متعددة، من التعاون الاقتصادي والعلمي إلى التنسيق السياسي والأمني.

    ‫ لكن ما ميّز هذه العلاقة لم يكن حجم التعاون فحسب، بل

  • الحالات لا تؤدي الذاكرة وظيفة حفظ الماضي فحسب، بل تسهم أيضاً في تحديد القيم التي يقوم عليها النظام السياسي وفي تعريف المسؤوليات التي ترى الجماعة أنها تتحملها تجاه نفسها وتجاه الآخرين.

    ‫ ومن هذا المنطلق، يسعى هذا الفصل إلى بناء الإطار النظري الذي تستند إليه الدراسة من خلال تناول أبرز المقاربات المتعلقة بالذاكرة الجماعية وعلاقتها بالهوية السياسية، ثم مناقشة دور الذاكرة في تشكيل التصورات الأخلاقية والسياسية، وصولاً إلى النقاشات المعاصرة حول العلاقة بين

  • ليست الأمم أسيرة ماضيها فحسب، بل أسيرة الطريقة التي تتذكر بها هذا الماضي. فالأحداث التاريخية لا تنتهي بانتهاء زمنها، ولا تُدفن بالكامل في الأرشيفات والمتاحف والكتب المدرسية، بل تستمر في تشكيل الوعي الجمعي وتؤثر في اللغة السياسية وتحدد أحياناً حدود الممكن أخلاقياً وسياسياً داخل المجال العام. وما يبدو في لحظة معينة قراراً يتعلق بالحاضر قد يكون في جوهره تعبيراً متأخراً عن علاقة مجتمع ما بذاكرة تشكلت قبل عقود أو حتى قرون.

    ‫ ومن بين النماذج المعاصرة التي تكشف هذه العلاقة المعقدة بين الماضي والحاضر، تبرز الحالة الألمانية بوصفها واحدة من أكثر التجارب السياسية خصوصية في العالم الحديث. فبينما بنت دول كثيرة شرعيتها الوطنية على سرديات النصر أو البطولة أو التحرر القومي، أعادت ألمانيا بناء نفسها بعد عام 1945 على أساس مختلف تماماً: الاعتراف بكارثة أخلاقية غير مسبوقة تمثلت في جرائم النازية والهولوكوست.

    ‫ ولم يكن هذا التحول مجرد مراجعة تاريخية أو اعتذار سياسي مؤقت، بل أصبح جزءاً من البنية المؤسسية والثقافية للجمهورية الاتحادية الألمانية. فقد تشكلت ثقافة سياسية كاملة حول مفهوم المسؤولية التاريخية، وتحولت الذاكرة تدريجياً من شأن يرتبط بالماضي إلى عنصر فاعل في تعريف الدولة لنفسها ولدورها في العالم. ومن خلال هذه العملية أصبحت مواجهة الماضي جزءاً من شرعية النظام الديمقراطي الألماني ومن الأسس التي يستند إليها في صياغة هويته السياسية والأخلاقية.

    ‫ وفي هذا السياق اكتسبت العلاقة الألمانية الإسرائيلية طابعاً استثنائياً. فهي لا تُفهم بوصفها علاقة دبلوماسية عادية بين دولتين، ولا باعتبارها نتاجاً لمصالح استراتيجية فحسب، بل ترتبط بصورة وثيقة بالطريقة التي فهمت بها ألمانيا معنى المسؤولية بعد الهولوكوست. ولهذا احتلت إسرائيل موقعاً خاصاً داخل الخطاب السياسي الألماني بوصفها مرتبطة مباشرة بإحدى أكثر الصفحات تأثيراً في التاريخ الألماني الحديث.

1