عانينا كثيرًا في الأيام الأولى، فكل شيء غريب علينا، وكل ما تقوله الراهبات عصيٌّ على إدراكنا. كُنَّا نخشى البنات، ولم نتحدَّث إلى أيٍّ منهنّ. فلم يتقرَّبن إلينا هنَّ أيضًا، بل كُنَّ يدعوننا الجديدتَيْن كلَّما اضطُرَّت إحداهن لأن تقول لنا شيئًا أو تعلِّمنا شيئًا. في أوقات الراحة كان الجميع يشارك في شتَّى الألعاب الكثيرة، أما نحن فما كُنَّا نعرف أيّ لعبة. في المُصلَّى كانت الأخريات يصلّين ويرنِّمن، في حين لا نعرف نحن ما ذاك ولا ما الغرض منه. كانت الراهبات يتحدَّثن عن الخطيئة، والشيطان، والسماء، والجحيم، وخلاص نفوسنا، ونيل الغفران، والندم على خطايانا، والامتنان للعذراء لأنها أنعمَت علينا وآوتنا في بيتها. لم يكُن أيٌّ من ذلك يعني لنا شيئًا. في تلك الأيام عرفنا ما العزلة المطبقة وما الغياب التام للألفة. بذلنا جهودًا هائلة كي ندرك ذلك الذي يُدعَى باللغة المعاصرة غياب التفاهم المطلق.
بدا القلق الجاد على الراهبات. أما نحن فخفنا أن يتخلَّين عنا لأننا آثمات. تُرى، ما الإثم…؟ ومن عساه يكون ذلك الشيطان الذي يأخذ البنات الآثمات؟
اقتباسات إيما رييس
اقتباسات ومقتطفات من مؤلفات إيما رييس .استمتع بقراءتها أو أضف اقتباساتك المفضّلة.
اقتباسات
-
مشاركة من haya sultan ، من كتاب
بريد الذكريات
-
قد تعجب لقدرتي على سرد تفاصيل الحوادث التي جرَت في تلك الحقبة البعيدة كل البعد، بهذا القدر من الدقة. وأوافقك في ما ذهبتَ إليه، ذلك أن طفلًا في الخامسة من العمر لن يتذكَّر طفولته لاحقًا بمثل هذا الوضوح ما دام قد عاش حياة طبيعية. أما أنا وإيلينا، فنذكر طفولتنا وكأنها كانت اليوم، وليس في وسعي أن أشرح لك السبب. لم تغِب عنا تفصيلة واحدة، لا اللفتات، ولا الكلمات، ولا الأصوات، ولا الألوان، بل يبدو لنا كل شيء جليًّا.
مشاركة من haya sultan ، من كتاببريد الذكريات
-
أعتقد أني في تلك اللحظة تعلَّمتُ معنى الظلم دفعةً واحدة، تعلَّمتُ أن طفلًا في الرابعة من العمر قد يشعر بأنه لا يرغب في العيش أطول مما عاش، ويشتهي أن يبتلعه جوف الأرض. ولسوف يظلّ ذلك اليوم هو أقسى أيام حياتي، بلا أدنى شك.
لم أبكِ، لأن الدموع لم تكُن لتكفيني. لم أصرخ، لأن شعوري بالتمرُّد فاق صوتي شدةً.
مشاركة من haya sultan ، من كتاببريد الذكريات
-
وعلى مدى أيام نزلنا في تلك البلدة التي لم أعرف لها اسمًا قط. دأبت السيدة ماريا على الخروج بصفة شبه يومية مصطحبةً إيلينا معها، أما أنا فكانت تتركني مع الصبي الذي يجلس معي ويلهو بالنحلة الدوارة. ذات يوم وضع النحلة الدوَّارة فوق يدي وهي تتراقص فتملَّكني الخوف بشدة حتى إني أجهشت بالبكاء. وفي يوم آخر سألني عما إذا كان لي بابا وماما، فسألتُه عما يعني بذلك. فأجابني بأنه لا يعرف هو الآخر.
مشاركة من haya sultan ، من كتاببريد الذكريات
| السابق | 2 | التالي |