المؤلفون > ميادة أبو النصر > اقتباسات ميادة أبو النصر

اقتباسات ميادة أبو النصر

اقتباسات ومقتطفات من مؤلفات ميادة أبو النصر .استمتع بقراءتها أو أضف اقتباساتك المفضّلة.

ميادة أبو النصر

عدل معلومات المؤلف لتغيير تاريخ الميلاد أو البلد

اقتباسات

  • مع كل انتصار تحققه، لم تعُد مثل السابق بعدما اعتادتها، عاد إليها شعورها بالوحدة مرة أخرى، وبخاصَّةٍ أن زوجها دائم السفر بسبب طبيعة عمله في التجارة، حتى أصبح لقاؤهما في البيت يحدث عن طريق الصُّدْفة.‏

    ‫ ‏وفي أحد الأيام، استيقظت «كاريمان» مبكرًا عن عادتها، ولم تكُن ترغب في الذهاب إلى المكتب، قررت إلغاء كل مواعيد اليوم، وفضَّلت أن تقضي يومها مع ابنتها في البيت، كما أرادت إعداد الطعام بنفسها؛ فهي تحب الطبخ كثيرًا، لكن انشغالها الدائم لم يكُن يتيح لها ذلك سوى مرة أو مرتين على الأكثر كل شهر.‏

  • مع كل انتصار تحققه، لم تعُد مثل السابق بعدما اعتادتها، عاد إليها شعورها بالوحدة مرة أخرى، وبخاصَّةٍ أن زوجها دائم السفر بسبب طبيعة عمله في التجارة، حتى أصبح لقاؤهما في البيت يحدث عن طريق الصُّدْفة.‏

    ‫ ‏وفي أحد الأيام، استيقظت «كاريمان» مبكرًا عن عادتها، ولم تكُن ترغب في الذهاب إلى المكتب، قررت إلغاء كل مواعيد اليوم، وفضَّلت أن تقضي يومها مع ابنتها في البيت، كما أرادت إعداد الطعام بنفسها؛ فهي تحب الطبخ كثيرًا، لكن انشغالها الدائم لم يكُن يتيح لها ذلك سوى مرة أو مرتين على الأكثر كل شهر.‏

  • ضاحكةً، وعلى الرغم من أنها لم تتخطَّ شهرها السادس، فهي متأكِّدة من أنها تستمع إليها وتفهم ما تُخبرها به.‏

    ‫ ‏قبَّلتها ثم تركتها مع المربية مرة أخرى وذهبت للاستحمام، ومن اليوم التالي أصبحت «كاريمان صدقي الكاشف» حديث الصحافة والناس في الشوارع، تلك المحامية الشابَّة التي استطاعت الإيقاع بأحد كبار مسؤولي الحكومة.‏

    ‫ ‏إنها الواقعة الأولى من نوعها التي يُسجَن فيها مسؤولٌ بهذه الأهميَّة، وتثبت عليه كل هذه الجرائم، شريحة عريضة من المجتمع انتعشت نفوسهم بالأمل.‏

    ‫ ‏الآن يمكنهم المطالبة بحقوقهم دون خوف أو تراجُع، مهما كان منصب مَن استولى على هذا الحق، وألحق الظلم بهم، والفضل يرجع إلى هذه المرأة التي لم تأبه لكل التهديدات التي تعرَّضت لها.‏

    ‫ ‏توالت الأيام وتضاعفت القضايا الموكلة إليها، وصارت تمضي من ربحٍ إلى ربحٍ أكبر، ولكن مع مرور الوقت، اعتادت هذه الحياة بشكلها الروتيني؛ في الصباح بين المحكمة ومكتبها، وبعد الظهر في البيت مع ابنتها، والليل تقضيه في العمل بعد أن تضع صغيرتها في السرير، كما تزور والديها في بعض الأحيان.‏

    ‫ ‏حتى تلك النشوة، التي كانت تسري في عروقها

  • جميلة في فستانها الأحمر، وشعرها الأسود الحريري، وهذه «التربون» التي تحتضن جبهتها.‏

    ‫ ‏تتفحَّصها كما لو أنها تأخذ طاقتها من ملامحها البريئة، الأكثر نقاءً في هذه الحياة.. وبينما تتطلَّع إليها، فتحت الصغيرة عينيها وابتسمت لها، فحملتها بين ذراعيها، وضمتها إلى حِضنها، ثم بدأت حديثها معها وقالت:‏

    ‫ ‏- اشتقتُ إليكِ كثيرًا يا «حياة»، حياتي وصديقتي الأقرب على الإطلاق، أود أن أخبرك بأنني ربحت قضيَّة مُهمَّة اليوم، صفَّقَ لي الجميع بعدما نطق القاضي بالحكم.‏

    ‫ ‏أحاطت «حياة» بكفِّها سبابتَها، فابتسمت لها وأكملت:‏

    ‫ ‏- لا أخفي عنكِ سرًّا، فعلى الرغم من القوة التي أحطتُ بها نفسي في أثناء المرافعة، فإنَّ قلبي كان يرتجف من شدة الخوف، كنت أخشى الخسارة، أو حدوث شيء عكس توقعاتي.‏‏.‏

    ‫ ‏قبَّلت جبينها بحنان وأكملت:‏

    ‫ ‏- والآن يا صغيرتي، أودُّ أن تفخري بأمك، وأعدك عندما تكبرين أنني سأكون أكثر نجاحًا وقوةً من اليوم، لأجلكِ أنتِ، وكي لا تكون حياتك كالتي حييتها أنا.‏

    ‫ ‏كانت «حياة» تنظر إليها مبتسمة، وأحيانًا تكركر

  • القاهرة - 1985م.‏

    ‫ ‏رُجَّت جدران القاعة بالتصفيق بعد النطق بالحكم، وصاح الحاضرون مرددين جملة: «يحيا العدل»، بينما رمقت هي المتهم في القفص بابتسامة شامتة، وملامحها تعكس غبطة الانتصار، أما هو فهتف مهددًا بغيظ:‏

    ‫ ‏- أتظنين أن الأمر انتهى هكذا؟ أقسم على أن أجعلك تندمين، وحتى ندمك لن يخلِّصك من بين يديَّ.‏

    ‫ ‏أدارت ظهرها له، وما زالت الابتسامة مرتسمة على شفتيها، وخرجت من قاعة المحكمة بخطوات ثابتة، وهي تنظر أمامها، وسط مباركات الحاضرين، وشكر أهالي الشباب الذين وكلوا إليها الدفاع عن أبنائهم.‏

    ‫ ‏عادت إلى بيتها بمشاعر مختلفة كليًّا عمَّا خرجت بها، كان داخلها يفيض بحرارة طغت على البرودة المعهودة لهذا البيت؛ فتلك القضيَّة كانت بمنزلة صفقة العمر التي علمت أنها ستأخذها بعيدًا وتحلِّق بها فوق سماء الشهرة.‏

    ‫ ‏والآن عادت إلى المنزل بعدما حققت ما أرادته، توجهت إلى غرفة ابنتها «حياة»، وطلبت من المربية «صباح» أن تتركهما بمفردهما، كانت نائمةً في سريرها الصغير، جلست بجوارها وتأملتها، كم تبدو

  • ‏- نسيت أن أقتطف وردًا من الحديقة اليوم.‏

    ‫ ‏قالت بتفهُّم:‏

    ‫ ‏- لا عليك، فأنا أيضًا انشغلت كثيرًا اليوم ولم ألاحظه.‏

    ‫ ‏ربت على يدها وابتسم لها ثم لابنته محاولًا إخفاء ما يشعر به، ولكنها كانت تعرفه أكثر ممَّا يعرف نفسه، وتدرك أن هاتين العينين تحملان كثيرًا من الكلمات المبعثرة والمتداخلة التي تأبى أن تصاغ في حديث معها لتخلِّصها من هذه الحيرة. ‏

  • ‏- تعثرت بها قدمها صباحًا على شاطئ البحر.‏

    ‫ ‏نظر إليها دون فهم، أشارت برأسها إلى «مُهرة»، فانتبه إلى أنه قد فوَّت شيئًا، أمسك يد ابنته التي تُمسك بالصدفة، نظرت إليه وقالت ببراءة وفرحة شديدة:‏

    ‫ ‏- إنها صديقتي الجديدة، أليست جميلة؟‏

    ‫ ‏قبَّل يدها الصغيرة ثم قال:‏

    ‫ ‏- بلى، جميلة جدًّا، ولكنها ليست أجمل منكِ.‏

    ‫ ‏ابتسمت إليه فطلب منها أن تكمل طعامها، ووعدها بأنه سيأتي إلى غرفتها كي تقصَّ عليه قصة هذه الصدفة.‏

    ‫ ‏ظلَّت «نادين» تتفحَّص عينيه الشاردتين، ويديه الحائرتين العابثتين في الطعام دون أن يأكل شيئًا، فقالت متسائلةً:‏

    ‫ ‏- لماذا لا تأكل؟ أتريد أن أحضر لك شيئًا آخر؟‏

    ‫ ‏- لا لا، الطعام لذيذ جدًّا، لكني أشعر بالصداع، لم أنَم نومًا كافيًا أمس.‏

    ‫ ‏- سأحضر لك مُسكِّنًا بعدما تنتهي من تناول الطعام.‏

    ‫ ‏ابتسم لها، ولكن عادت عيناها تلاحقانه من جديد، وعندما لاحظ نظراتها إليه، تظاهر بأنه ينظر إلى زهريَّة الورد الموضوعة فوق طاولة بجانب السلم المؤدِّي إلى الطابق العلوي، وقال موجهًا حديثه إليها:‏

  • واحدةً على شيء فعله من أجلها، ولكن منذ أن قرأ الرسالة وهو يشعر بأن روحَه داخل جسده آخذةٌ في التضاؤل.‏

    ‫ ‏بينما تشاهده «نادين» من النافذة، وتتساءل داخل نفسها:‏

    ‫ ‏- تُرى ما سبب شرودك يا «صالح»؟ ماذا أصابك؟‏

    ‫ ‏خرجت إليه، وقاطعت تلك المشاجرة الدائرة في عقله وهي تمرِّر يدها على ظهره في حذر بالغ كي لا تفزعه، انتبه لها والتفت إليها مبتسمًا، فقالت متسائلةً:‏

    ‫ ‏- أأنت بخير؟ لاحظتُك من نافذة المطبخ شاردًا لوقت طويل.‏

    ‫ ‏أجابها:‏

    ‫ ‏- لا شيء، كنت أشاهد أمواج البحر، إنها هادئة اليوم كثيرًا.‏

    ‫ ‏تظاهرت بأنها تصدِّقه، وابتسمت له قائلة:‏

    ‫ ‏- الغداء جاهز، وأنا و«مُهرة» ننتظرك.‏

    ‫ ‏دخلت إلى البيت، ثم لحق بها بعد ثوانٍ، جلس على رأس المائدة كعادته، وعن يمينه «نادين» وفي الجهة الأخرى «مُهرة»، التي مدت يدها الممسكة بصدفة بحريَّة إليه، ولكنه لم يلاحظها، فقالت «نادين» محاولةً أن تنبِّهه:‏

  • كلما تطلَّع إلى ساحل نابولي، رأى نثار الذكريات بين صخب البحر الواسع أمامه، وفي ذلك اليوم بدا شاردًا متباعدًا، بينما يتأمَّل زرقة المياه المحيطة به، وكأنه يجد سلواه في أن خلف هذا البحر الشاسع توجد مِصر، قلبه يرفرف لمجرد فكرة أنه سيعود، على الرغم من الحيرة والقلق ممَّا مضى، كان حنينه يبحر مع موجات هذا الذي إذا نظرت إليه من أيٍّ من اتجاهاته ستظن ألَّا آخر له.‏

    ‫ ‏عاد بذاكرته إلى يوم ولادة فَرَسِه التي سمَّاها «زُهرة»، والتي كبرت معه يومًا بعد يوم، حتى إنها صارت أعزَّ وأقرب مَن في الأرض إليه، يترنَّح داخل عينيه منظرها وهي تسطع تحت نور الشمس، عندما تنعقد أشعتها الذهبيَّة مع جدائلها الحريريَّة.‏

    ‫ ‏كم اشتاق إلى عائلته وإلى القرية، إلى إسطبل الخيول، وإلى الريح التي تهب من البيوت حاملةً رائحةَ القمح.‏

    ‫ ‏بعد مُضيِّ خمس سنوات، لم يستطِع أن يعتاد هذا البلد الغريب، على الرغم من بهاء أراضيه، ظلَّ عزاء قلبه في وجود «نادين» التي يعشقها، ولكن بعد هذه الرسالة التي وصلته من ابن عمه فقد أذن وقت العودة، وعليها أن تختاره كما اختارها دومًا، وفضَّل أمانها على كل شيء طوال السنوات الماضية، لم يكُن ينوي مساومتها، ولم يدقّ الندمُ أبوابه لحظةً

  • «ومتى كانت هذه الحياة موطنًا للسعادة أو مستقرًّا لها؟

    ‫ ومتى سعد أبناؤها فنسعد مثلهم كما سعدوا؟

    ‫ وإن كان لا بُدَّ من سعادةٍ في هذه الحياة، فسعادتها أن يعيش المرءُ فيها معتقدًا ألَّا سعادة فيها ليستطيع أن يقضي أيامه المقدَّرة له على ظهرها هادئ القلب ساكن النفس لا يكدِّر عليه عيشه أملٌ كاذبٌ ولا رجاءٌ خائب ».

    ‫ ‏من كتاب «العبرات» لـ«مصطفى لطفي المنفلوطي».‏

  • ‏ما زلت أذكر ذلك اليوم عندما كنا نجلس على شاطئ النيل، حين أخبرتك عن بيت جدتي وكم يعني لي. امتلأ وجهك بضحكة غير مبررة، وحين سألتك عن السبب، قلت لي إنك في كل مرة تزور الإسكندرية، يعتريك يقين بأنك ستجد فتاة أحلامك في هذه المدينة الساحرة.‏

    ‫ ‏"كنت أذهب إلى هناك بحثًا عنكِ، لكن القدر جاء بكِ إلى القاهرة. وجدت الفتاة التي لطالما حلمت بها من الإسكندرية، والواقع أنني أرى فيكِ بعضًا من ملامحها يا أنس.. جميلة، وسحركِ لا يمكن تفسيره. وجدتكِ، ووجدت نفسي معكِ… أنس يونس."‏

    ‫ ‏كان قلبي يطير فرحًا بتلك الكلمات، وبكوني لك وحدك يا يونس.‏

    ‫ ‏أشعر بالتعب من الطريق، سأخلد إلى النوم الآن، وسأهاتفك غدًا لأحكي لك عن كل ما حدث منذ أن غادرت القاهرة."‏

    ‫ ‏توقف يونس عن القراءة للحظة، شعر أن أنفاسه أصبحت أعمق قليلًا، كأن كلماتها كانت تفتح نوافذ في ذاكرته لم يُرد فتحها من قبل. تأمل الصفحة للحظات، ثم أغلق الدفتر ببطء، وكأن بين يديه شيئًا يخشى أن يتلاشى بمجرد أن يغلقه.‏

    مشاركة من حسين بن توفيق ، من كتاب

    لا تنس أن تنسى

  • - يونس، لست مضطرًا للذهاب إن لم تكن مرتاحًا. يمكنني اختلاق أي عذر لبيان.‏

    ‫ ‏أدرك يونس أن خالد يشعر بالذنب، وكأنه وضعه في مأزق دون قصد. لذا قرر التخفيف عنه، وقال بنبرة ودودة:‏

    ‫ ‏- لا تقلق، كما قال هتّان، جميعنا بحاجة إلى تغيير الروتين. سأكون بخير.‏

    ‫ ‏ارتسمت على وجه خالد ابتسامة ارتياح، بينما التقط هتّان فنجان القهوة وقال مازحًا:‏

    ‫ ‏- إذا لم تعجبك الحفلة، يمكننا دائمًا الهروب وترك خالد يتحمل بيان وليليان وحده. ‏

    ‫ ‏انفجر الجميع ضاحكين، قبل أن يتطرق الحديث إلى العمل والحياة، إلى أن غادر خالد وهتّان.‏

    ‫‏***‏

    ‫ ‏عاد يونس إلى مقعده في صالة المغادرة، وضع كوب القهوة الفارغ بجانبه، وأمسك بالدفتر مجددًا. كان صوته الداخلي يحثه على الاستمرار في القراءة، ففتح الصفحة التالية بحذر، وبدأ يقرأ:‏

    ‫ ‏اليوم أكتب لك من مكاني المفضل، من غرفتي في بيت جدتي بالإسكندرية. أعلم أنك ستحبها كثيرًا، فهي دافئة، يغمرها نور الشمس، وتعبق برائحة الياسمين.‏

    مشاركة من حسين بن توفيق ، من كتاب

    لا تنس أن تنسى

  • جدران عالية من الصمت حول نفسه.‏

    ‫ ‏بعد العشاء، جلس يونس مع هتّان في الشرفة، بينما ذهب خالد لإعداد القهوة. كان الليل هادئًا، نسائم باردة تداعب أوراق الشجر، وانعكاس ضوء القمر يضفي سكينة على المشهد.‏

    ‫ ‏أشعل يونس سيجارة ببطء، ثم مرّر واحدة لهتّان، وسأله:‏

    ‫ ‏- كيف حال والدتك الآن؟‏

    ‫ ‏استند هتّان إلى الكرسي، وأخذ نفسًا عميقًا من سيجارته قبل أن يبتسم:‏

    ‫ ‏- أخبرني والدي في آخر خطاب أنها أصبحت أفضل بكثير، الحمد لله.‏

    ‫ ‏همس يونس:‏

    ‫ ‏- حمدًا لله.‏

    ‫ ‏ثم أكمل هتّان متسائلًا:‏

    ‫ ‏- هل ستذهب؟‏

    ‫ ‏نفث يونس الدخان ببطء نحو السماء، وقال بصوت هادئ:‏

    ‫ ‏- لا أعلم، أخشى أن يمنحها ذلك أملًا.‏

    ‫ ‏قبل أن يجيب يونس، دخل خالد يحمل صينية القهوة، وقال وهو يضعها على الطاولة:‏

    مشاركة من حسين بن توفيق ، من كتاب

    لا تنس أن تنسى

  • طبقه وقال بهدوء:‏

    ‫ ‏- حسنًا؟ وماذا قالت؟‏

    ‫ ‏رد خالد بنبرة مرحة كعادته:‏

    ‫ ‏- تدعوكم لحفلة عيد ميلادها الأسبوع المقبل. بدا واضحًا أنها لن تقبل أي عذر منك، لذا وعدتها أننا سنذهب جميعًا.‏

    ‫ ‏أجابه يونس باستنكار واضح، بينما يحاول هتّان إخفاء ابتسامة يعرفها ثلاثتهم جيدًا:‏

    ‫ ‏- وعلى أي أساس تعدها بحضوري؟‏

    ‫ ‏ضحك خالد وأجاب:‏

    ‫ ‏- على أساس أننا جميعًا نعلم بأنها معجبة بك.‏

    ‫ ‏أضاف هتّان وهو يهز رأسه:‏

    ‫ ‏- صحيح، تصرفاتها واضحة جدًا، ولا تحاول إقناعنا بأنك لم تلاحظ.‏

    ‫ ‏وضع يونس الملعقة، وأسند ظهره إلى الكرسي وهو يقول بجدية:‏

    ‫ ‏- أعلم أنها فتاة رائعة، لكني لا أستطيع، ولا أريد أيضًا.‏

    ‫ ‏تبادل خالد وهتّان نظرات قصيرة، كأنهما يتساءلان بصمت، لكن لم يعلّق أي منهما. كان واضحًا أنهما يدركان ثقل ما يدور في داخله، لكنه اعتاد بناء

    مشاركة من حسين بن توفيق ، من كتاب

    لا تنس أن تنسى

  • ‏رد هتّان مازحًا:‏

    ‫ ‏- بالنسبة لي، أفضل البدء بالطعام مباشرة. رائحة الدجاج تسحبني إلى الطاولة منذ وصولي.‏

    ‫ ‏ضحك خالد وقال:‏

    ‫ ‏- وأنا أيضًا، طبخك لا يُقاوم يا يونس.‏

    ‫ ‏ضحك يونس وقال:‏

    ‫ ‏- حسنًا، اجلسا إذًا، لنبدأ.‏

    ‫ ‏أحضر يونس آخر الأطباق وجلس معهما. ساد الصمت للحظات، لم يُسمع فيها سوى أصوات الملاعق وهي تلامس الأطباق، حتى رفع هتّان رأسه مبتسمًا وقال:‏

    ‫ ‏- يونس، يجب أن أعترف.. طهوك هذا أفضل مما أتناوله حتى في المطاعم.‏

    ‫ ‏ابتسم يونس ابتسامة خفيفة، ورفع كأس الماء ليرتشف منه، قائلاً:‏

    ‫ ‏- سعيد لأنه أعجبك، أنا لا أستمتع بالطعام إلا بصحبتكما.‏

    ‫ ‏وقبل أن يتمكن هتّان من الرد، قاطعه خالد موجهًا كلامه إلى يونس:‏

    ‫ ‏- بيان سألت عنك اليوم.‏

    ‫ ‏رفع يونس حاجبيه قليلًا دون أن يرفع عينيه عن

    مشاركة من حسين بن توفيق ، من كتاب

    لا تنس أن تنسى

  • أحبك يا يونس".‏

    ‫ ‏قرأ يونس تلك الكلمات بصمت، لكن داخله كان يضج بصوت لا يمكن تجاهله. أغلق الدفتر ببطء، وأخذ نفسًا عميقًا، لكنه شعر أن الهواء في صدره ثقيل. لم يكن يعرف إن كان ما يشعر به الآن هو الحنين، أو الألم، أو خليطًا معقدًا من كليهما.‏

    ‫ ‏نهض من مقعده، واتجه إلى النافذة في صالة المطار، يراقب الطائرات تقلع وتهبط، كأنها تحمل أحلامًا وذكريات لأناس كثيرين، تمامًا كما كان يحمل الآن ذكرى أنس بين يديه.‏

    ‫ ‏تساءل في داخله: هل كانت كلمات الحب التي انتظرتها مني ستغيّر النهاية؟‏

    ‫ ‏لكن الإجابة لم تأتِ. فقط صدى صوتها بين السطور هو ما بقي معه.. يرافقه كظله.‏

    ‫‏***‏

    ‫ ‏بينما كان يونس يضع اللمسات الأخيرة على طاولة العشاء، دق جرس الباب. فتح ليجد خالد وهتّان يقفان أمامه، كانت معاطفهما مبتلة قليلًا من المطر. رحّب بهما، فخلع كل منهما معطفه وعلّقه على الحامل قرب الباب، ثم توجّهوا إلى غرفة المعيشة.‏

    ‫ ‏قبل أن يعود يونس إلى المطبخ، سأل:‏

    ‫ ‏- هل ترغبون في شيء قبل العشاء؟‏

    مشاركة من حسين بن توفيق ، من كتاب

    لا تنس أن تنسى

  • قبل ثلاثة أعوام…‏

    ‫ ‏على أحد مقاعد صالة المغادرة في مطار القاهرة، جلس يونس وحيدًا، محاطًا بصخب المسافرين ونداءات الرحلات. في يديه، كان يحمل دفترًا صغيرًا، يحمل بين صفحاته جزءًا من ماضٍ حاول دفنه طويلًا.‏

    ‫ ‏حدّق في الغلاف لدقائق، بينما تساءل في داخله.. ترى، ماذا كتبت أنس عني بين سطور هذه الصفحات؟‏

    ‫ ‏أنس.. تلك التي تركت بصمتها العميقة في حياته، والآن تترك له دفتر يومياتها. كان ذلك الدفتر قد وصل إليه عبر والدته، التي احتفظت به بعد أن تركته أنس في إحدى زياراتها مع عائلتها لمصر. شعر يونس بحيرة بين رغبته العارمة في استكشاف ما كتبته، وبين خوفه مما قد تكشفه تلك الصفحات، لكنه في النهاية استسلم لفضوله.‏

    ‫ ‏فتح الصفحة الأولى ببطء، كأنه يفتح بابًا على ذكرياتٍ مضت. كان خط أنس أنيقًا، لكنه يحمل شيئًا من التردد، وكأن الكلمات نفسها مترددة في أن تُقال: ‏

    ‫ ‏"أنا أنس فؤاد ياسين.‏

    ‫ ‏لا أعرف من أين أبدأ في هذا الدفتر الفارغ، لكن كن على يقين بأنني أحضرته من أجلك، لأخبرك بما أشعر به تجاهك، بما يجول في داخلي وأود

    مشاركة من حسين بن توفيق ، من كتاب

    لا تنس أن تنسى

  • الإفصاح عنه، لكن كلماتي تخذلني حين أكون أمامك.‏

    ‫ ‏لم يسبق لي أبدًا أن امتلكت دفتر يوميات، ولم يخطر ببالي قبل اليوم أن أفعل. لكن معك، اكتشفت حبي لكثير من الأشياء. أريد أن أحتفظ بأيامي التي أصبحت جزءًا منها، لا أريد أن أتركها تنساب دون تدوين، وكأنني أحيا بجوارك مرتين".‏

    ‫ ‏توقف يونس عن القراءة للحظة، شعر كأن أنس تعيده إلى عالمها من جديد. تنفس بعمق، ثم استكمل القراءة، بينما تسارعت نبضات قلبه.‏

    ‫ ‏"أتدري يا يونس؟ لطالما كنت أفضّل البقاء بمفردي، حتى أهداني القدر إياك، فأصبحت أرغب في أن أشاركك أنفاسي. أنت لست مجرد حبيب.. ما أحمله لك يتجاوز حدود هذه الكلمة. أنت تسري في أوردتي كي أحيا، لا أستطيع أن أتخيل الحياة بدونك، ولا أعلم كيف كنت أعيشها قبلك.‏

    ‫ ‏أخبرتني اليوم، في منتصف حديثي معك، بأنك تحبني..‏

    ‫ ‏كم انتظرت سماعها منك! رغم أن عينيك قالتها لي مرارًا، وكل شيء بيننا كان يهمس لي "إنه يحبك"، إلا أنني كنت أنتظر أن أسمعها منك.‏

    ‫ ‏لا أعدك بأنني سأكتب لك كل يوم، لكنني سأكتب لك في كل مرة أشعر فيها برغبة في إخبارك بشيء لا يمكنني قوله وأنت أمامي.‏

    مشاركة من حسين بن توفيق ، من كتاب

    لا تنس أن تنسى

  • قبل ثلاثة أعوام…‏

    ‫ ‏على أحد مقاعد صالة المغادرة في مطار القاهرة، جلس يونس وحيدًا، محاطًا بصخب المسافرين ونداءات الرحلات. في يديه، كان يحمل دفترًا صغيرًا، يحمل بين صفحاته جزءًا من ماضٍ حاول دفنه طويلًا.‏

    ‫ ‏حدّق في الغلاف لدقائق، بينما تساءل في داخله.. ترى، ماذا كتبت أنس عني بين سطور هذه الصفحات؟‏

    ‫ ‏أنس.. تلك التي تركت بصمتها العميقة في حياته، والآن تترك له دفتر يومياتها. كان ذلك الدفتر قد وصل إليه عبر والدته، التي احتفظت به بعد أن تركته أنس في إحدى زياراتها مع عائلتها لمصر. شعر يونس بحيرة بين رغبته العارمة في استكشاف ما كتبته، وبين خوفه مما قد تكشفه تلك الصفحات، لكنه في النهاية استسلم لفضوله.‏

    ‫ ‏فتح الصفحة الأولى ببطء، كأنه يفتح بابًا على ذكرياتٍ مضت. كان خط أنس أنيقًا، لكنه يحمل شيئًا من التردد، وكأن الكلمات نفسها مترددة في أن تُقال: ‏

    ‫ ‏"أنا أنس فؤاد ياسين.‏

    ‫ ‏لا أعرف من أين أبدأ في هذا الدفتر الفارغ، لكن كن على يقين بأنني أحضرته من أجلك، لأخبرك بما أشعر به تجاهك، بما يجول في داخلي وأود

    مشاركة من حسين بن توفيق ، من كتاب

    لا تنس أن تنسى

  • بعض الأبواب لا تُغلق تمامًا، بل يتركها الزمن مواربة، وكأنها تنتظر اللحظة المناسبة لتنفتح على مصراعيها.

    مشاركة من حسين بن توفيق ، من كتاب

    لا تنس أن تنسى

1 2