لا عجب أن يصف رواد التنمية البشرية و مناصروها كتابات آرثر شوبنهاور بالتشاؤم، ولهم أن يلقوا ما شاؤوا من تهم اليأس، بل وبوصفه أحد أبرز أساتذة اليأس البشري!
ما بين ( التوصيف الواقعي) و ( التشاؤم المفرط) تقع حدود كتابات شوبنهاور، وبحسب قرب القارئ لأي من هذين الحدين ، يصنّف كتاباته.
في هذا الكتاب يؤكد شوبنهاور فلسفته الأبرز ( العالم تصوراً)، أي أننا لا نرى و نعيش العالم بما هو عليه، بل وفق تصورنا عن هذا العالم، أي أن العالم ما هو إلا انعكاس لوعينا الشخصي.
وهذا التصور مرهون بشرط الزمن و ما يخلّفه من تجارب، تعيد تشكيل العالم وفقها، فعالم الشباب المفرط الحركة و النشاط ، لا يرى الموت سوى شبح بعيد، بينما في الشيخوخة نرى الموت يطلّ علينا برأسه.
العالم لن يفتح لك ذراعيه ليتلقفك، ولن ينتظر منك تأكيدات ساذجة بأنك تستطيع النجاح إن كررتها خمس مرات صباحا أمام المرآة.
العالم ليس مرتعاً للسعادة، والسعي الحثيث وراءها هو الشقاء بعينه، فتجنب الألم هو ما على الإنسان أن يسعى إليه، وهذا السعي لا ينفي الوقوع في براثنه، بل محاولة تدريب النفس كيف يمكنها التعاطي معه، وهنا يحضر الفيلسوف سينيكا الذي يبدو تأثر شوبنهاور به واضحا، فكل مشاكل الإنسان تنبع من مشكلة رفع سقف التوقعات، وكلما نجحنا في التقليل من توقعاتنا أنقذنا أنفسنا من المهالك!
الاكتفاء بالذات هو ما يوعو إليه شوبنهاور، وهذا الاكتفاء لا يعني الاستغناء المطلق عن البشر، بل القدرة على تحمل الانفراد بالذات، والتعرف إليها، و مصادقتها، وهذا يذكرني بمقولة لجبران خليل جبران ( لي من نفسي صديقي يعزيني اذا ما اشتدت خطوب الأيام، ومن لم يكن صديقا لنفسه ، كان عدوا للناس"
الشر ، الحقد، الحسد، التكالب ضد المتفوق هي من الأمور التي على الإنسان فهمها كدوافع و محركات للسلوك البشري، ويضاف إليها ( المنفعة)، وهذا ما يدعو أي عاقل بحسب شوبنهاور لتفضيل العزلة و الوحدة على تلك الصحبة التنافسية المجللة بالشر.
كثير من مبادى شوبنهاور و إرشاداته تتقاطع مع ما ورد في ديننا الحنيف، لا تمدنّ عينك الى ما متعنا منهم زينة الحياة الدنيا، يوردها شوبنهاور بصياغته التي ترى أن الشقاء ينبع من مقارنة المرء ما لدى غيره بما عنده، و في موضع آخر يتحدث عن أهمية مراجعة و محاسبة النفس كل مساء لتأملها بغية تحسين سلوكها ، ويدعوها إلى الالتزام بفضيلة الصمت ، ويدعو المثقف إلى تجنب استعراض معارفه في حوار مع العامة، فهم سيتكالبون عليه، و لن يستطيع أبدا تغير فكر أو شخصية من حوله، عليه تقبّل فكرة وجود الأشرار و اللصوص كضرورة بشرية!

