📌تعهد بالنسيان
للكاتبة: مريم أحمد علي
دار النشر: تشكيل للنشر والتوزيع - Tashkeel Publishing House
عدد الصفحات: 566
تاريخ النشر 2026
بداخلك أنت فقط تكمن الذكريات.. كل المشاهد التي تعيد نفسها مرارًا.. تقتلك ببطء وكلما حاولت التخلص منها تلاحقك.. تحتل عقلك وتعيد لك المشاعر التي تحاول الهروب منها جاهدًا.. تجعلك سجين نفسك ولا تقوى على المضي قدمًا.. تترك لك ندوبًا تظهر واضحة على تصرفاتك.. تقلباتك ومخاوفك.. لا يراها البشر بهذا القسوة مهما شرحت.. مهما حاولت لا يمكن لأحد الشعور بها مثلك.. ألم تتمن النسيان ولو مرة؟ ولو ليوم واحد.. يوم واحد يمر عليك في هدوء.. بلا ذكريات.. بلا نزاعات وصراعات داخليه.. يرجوك قلبك أن تتخطى ولكن عقلك يقف عند تلك اللحظة.. يقف عند هذا الشعور ولا يمكنه التخطي..
وهنا تأتي لحظة الضعف التي نظن فيها أن الاسهل هو الهروب وأن نطوي الصفحة دون أن نقرأها حتى للنهاية
وفي مشهداً نفسياً مشحوناً يدور حول بطلة تقرر الخضوع لإجراء يمحو ذكرياتها بالكامل، هروباً من ماضي أثقلها لسنوات. وتبدأ الرواية بتوقيع أوراق بشكل يبدو بسيطا، لكنه يحمل قرارا مصيرياً التخلي عن كل ما عاشته مقابل فرصة لحياة جديدة خالية من الألم
وهنا يفتح باباً واسعاً من التساؤلات داخل عقل القارئ، ويجعله يغرق في سيل من الأسئلة التي لا تنتهي متشوقا لمعرفة ما قد يحدث لو منحنا الصباح فرصة للبدء من جديد، فمحا من داخلنا كل الذكريات، الحلوة قبل المؤلمة دون أن نُصاب بفقدان ذاكرة بل بحالة تشبه النسيان القسري؟
ماذا لو كان مجرد توقيعك على بعض الأوراق كافيا ليجعلك تنسى كل الألم الذي عشته وكل الذكريات التي شكلتك ماذا يمكن أن يحدث بعدها؟
وخلال الحوار بين بطلتنا ريمان وبين الطبيب، يتكشف البعد الفلسفي للفكرة. فالأمر لا يقتصر على مسح الذكريات، بل يمتد إلى سؤال أعمق: هل يمكن للإنسان أن يبدأ من جديد إذا تخلى عن ماضيه؟ وهل الذكريات، حتى المؤلمة منها، هي ما يشكل هويتنا؟ يمنحها الطبيب خيار الاحتفاظ ببعض الذكريات، سواء داخل عقلها أو خارجه، ما يضعها أمام صراع آخر: هل تحتفظ بشيء يربطها بذاتها القديمة، أم تمحو كل شيء بلا استثناء؟
والتوتر يتصاعد مع إدراكها أنها لم تُخبر أحدا بمكانها، وكأنها تستعد للاختفاء الكامل. وتنتهي اللقطة بسؤال مفتوح حول الثقة: من يمكنه حفظ سرها إن قررت أن تبدأ من الصفر؟
المشهد يركز على فكرة الهروب من الألم، لكنه في الوقت نفسه يطرح تساؤلات عن معنى الذاكرة، والاختيار، وإمكانية النجاة من الذات
وتأخذنا الرواية برفقة بطلتها ريمان في رحلة نفسية عميقة، نغوص من خلالها داخل تفاصيل الماضي لنفهم ما الذي أوصلها إلى تلك الحالة، ونكتشف الجروح الخفية التي صنعت هشاشتها وشكلت صراعاتها الداخلية. ومن خلال رحلتها لا نتعرّف عليها وحدها بل كذلك نتعرف على باقي أبطال الرواية، لنكتشف أن لكلٍّ منهم حكايته الخاصة وآلامه التي يحملها، وأن خلف كل شخصية معركة صامتة صنعت منها ما هي عليه."
من أول الصفحات بتحس إنك داخل عالم هادي ظاهريا، لكنه مليان توتر داخلي. البطلة مش بتهرب من الماضي… هي بتحاول تعقد معاه صفقة. تعهد بينها وبين نفسها إنها تمسح أثر شخص، أثر حب، أثر لحظة كانت أكبر من قدرتها على الاحتمال. لكن الرواية بذكاء بتورينا إن النسيان مش زرار بيتداس، ده رحلة مليانة مقاومة وحنين وضعف وقوة في نفس الوقت
لم تكتفي الرواية بسرد حكاية أبطالها بل كشفت بجرأة عن الجروح النفسية التي خلفها وجود أشخاص نرجسيين في حياتهم، لتعري أثر الأب الأناني والأم المسيطرة على نفوس أبنائهم. فقد حمل كل بطل ندبة مختلفة، لكنهم اجتمعوا جميعا تحت وطأة الألم ذاته؛ ألم التشكل في بيئة لم تعرف الاحتواء، فصاروا ضحايا لعلاقات شوهت مفهوم الحب والأمان بداخلهم، ودفعتهم لخوض صراعات نفسية مع أنفسهم قبل أي شيء آخر
فمنهم من نشأ فاقداً لمعنى الأمان، يبحث عنه في كل علاقة يدخلها، ومنهم من تربى على الخوف والتردد بعدما سُلب منه حق التعبير عن نفسه، ومنهم من أصبح يحارب شعوراً دائماً بعدم الاستحقاق نتيجة حياة كاملة من التقليل والتجاهل. وقد نجحت الرواية في إظهار كيف أن الطفولة المشوّهة لا تنتهي بانتهاء سنواتها، بل تظل تطارد أصحابها في قراراتهم، في مشاعرهم، وفي نظرتهم لأنفسهم وللحب من حولهم.
كل بطل في الرواية كان يحمل داخله طفلًا مجروحًا، يحاول النجاة من ماضئ لم يختره، ويصارع حاضرا بُني فوق أنقاضه.
ولعل أكثر ما ميّز الرواية أنها لم تقدم الألم النفسي بصورة سطحية أو مبالغ فيها، بل جعلتنا نلمسه في تصرفات الأبطال وردود أفعالهم وتناقضاتهم، لنفهم أن الإنسان لا يصبح هشا من فراغ، ولا يخاف الحب دون سبب، ولا يهرب من الأمان إلا إذا تربى يوما في بيئة جعلته يشك حتى في أبسط المشاعر.
أظهرت الرواية كيف يتحول بعض الضحايا مع الوقت إلى أشخاص غير قادرين على التعبير، أو غير قادرين على الثقة، أو حتى غير قادرين على تصديق أنهم يستحقون حبا صحيا. وهذا ما جعل الشخصيات تبدو واقعية للغاية؛ لأننا لم نر أبطالا مثاليين، بل رأينا أشخاصا محطمين يحاولون النجاة بما تبقى منهم.
كما برهنت الرواية أن التعافي ليس سهلا، وأن النجاة من أثر العلاقات السامة لا تأتي بمجرد الابتعاد عن مصدر الألم، بل تبدأ حين يواجه الإنسان جروحه ويعترف بما تركه الماضي داخله. ولهذا لم تكن رحلة الأبطال مجرد رحلة أحداث، بل كانت رحلة شفاء وبحث عن الذات ومحاولة لترميم ما أفسدته سنوات من الأذى النفسي.
في النهاية، نجحت الرواية في تقديم صورة صادقة ومؤلمة عن أثر التربية الخاطئة والعلاقات المؤذية على النفس البشرية، وأثبتت أن بعض المعارك لا ترى بالعين… لأنها تدور بالكامل داخل القلب والعقل.
رواية مناسبة لأي حد مر بتجربة فقد، حب انتهى، أو حتى محاولة للبدء من جديد.
أما عن اللغة، فقد جاءت سلسة وجميلة، بسيطة في كلماتها لكنها عميقة في تأثيرها، قادرة على إيصال المشاعر والمعاني للقارئ بسهولة دون تكلف.
والسرد كان ممتعاً ومتوازناً يتنقل بين الأحداث بسلاسة تحافظ على انتباه القارئ وتجعله مندمجاً مع كل تفصيلة دون شعور بالملل.
الشخصيات
ريمان، فرح، رغدة، عزيز، أدهم
جميعهم كانت مرسومة بعناية، لكل شخصية طابعها الخاص وتفاصيلها التي تجعلها تبدو حقيقية وقريبة من القارئ، مما ساعد على التعلق بها وفهم مشاعرها ودوافعها بوضوح
ريمان كانت من أكتر الشخصيات اللي شدتني في الرواية، لأنها شخصية مكتوبة بعمق نفسي كبير جدا، وحسيت إن مشاعرها وصراعاتها حقيقية جدا لدرجة تخليك تفهمها حتى لو اختلفت معاها. أكتر حاجة شدتني فيها إنها شخصية رغم قوتها الظاهرة إلا إنك طول الوقت حاسس إن جواها هشاشة كبيرة جدا بتحاول تداريها عن الكل
ريمان بالنسبالي كانت مثال واضح للشخص اللي اتأذى نفسيا لدرجة خلاه يبني حوالين نفسه جدران عشان يحمي قلبه، لكنها في نفس الوقت كانت محتاجة الاحتواء أكتر من أي حد. هي من الشخصيات اللي بتظهر عقلانية وقوية، لكن الحقيقة إن تصرفاتها كلها كانت نابعة من خوف داخلي كبير خوف من الخذلان، من الانكسار، ومن إنها تعيش نفس الألم مرة تانية
أكتر نقطة شدتني في شخصيتها إن كل رد فعل عندها كان وراه سبب نفسي واضح، وده خلاها واقعية جدا . ترددها، خوفها، صمتها، وحتى قراراتها اللي أوقات كانت تبان متناقضة كلها كانت انعكاس لطفل داخلي موجوع لسه شايل أثر اللي مر بيه من والدته
و رغدة هو أنها شخصية عاطفية بطبعها، لكنها أُجبرت على التعايش مع واقع أقسى من مشاعرها، فتعلمت كيف تخفي ضعفها خلف هدوءها، وكيف تبدو قوية بينما بداخلها الكثير مما لم يُقال. كانت من الشخصيات التي تعكس أثر الكتمان والصمت الطويل، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل بداخله معارك كاملة دون أن يشعر به أحد.
رغدة تمثل الجانب الذي يختار الصمت لا لأنه لا يشعر، بل لأنه اعتاد أن يخفي ألمه حتى أصبح الصمت جزءًا من شخصيته. وهذا ما جعلها تبدو واقعية للغاية، لأن ألمها لم يكن ظاهرًا بشكل مباشر، بل كان يظهر بين السطور وفي تفاصيل تصرفاتها وردود أفعالها.
فرح كانت من ارق الشخصيات وحسيتها اتظلمت كتير عندما ترك والدها امها وهي في سن صغير زوجة تُركت لتواجه العالم وحدها بعدما تخلى عنها زوجها فجأة.. بني معها حياة وجعلها تصبح زوجة ثم أما ثم لا شيء.. تركها لتواجه أسئلة البشر من حولها؟ وأصبحت طول عمرها تبحث عن الامان وتخاف الخذلان
اقتباسات
❞ وهل شعرت يومًا بأن كل الأماكن لا تناسبك وكأنك صرت غريبًا حتى عن نفسك؟ لا تجد الراحة في العزلة ولا تحب التواجد وسط الزحام وكأنه لم يخلق لك مكانًا بعد.. ❝
❞ يحذرك الناس من الأدوية النفسية وتأثيرها عليك.. لمَ لا يضعون مثل هذه التحذيرات على البشر؟.. قد يجعلك هذا الشخص تتناول العقاقير المُخدرة.. سيدمر جهازك العصبي ويجعلك تعاني.. سيجعلك تعيسًا وقد تحتاج لمساعدة بعض المواد الفعالة حتى تشعر.. "الاقتراب من هذا الشخص قد يدمر الصحة ويسبب المعاناة".. كما يضعونه كتحذير على علب الدخان.. لا تظن أن الدخان قاتل مثل البشر.. ❝
❞ يراك الناس في حالة سكون لا تتحرك فيظنونه كسلًا منك وقلة حيلة ولكنها أيام ثقال لا تقوى على حملها وحدك وقد زادها كل من أحببت ثقلًا وتركوك لتحملها وحدك.. لتتحملها وحدك دون ونيس ولا حبيب.. ❝
#أبجد
#تعهد_بالنسيان
#مريم_أحمد_علي

