أيام ... جنوب النهر > مراجعات رواية أيام ... جنوب النهر > مراجعة Nasser Ellakany

أيام ... جنوب النهر - فاطمة العوا
تحميل الكتاب

أيام ... جنوب النهر

تأليف (تأليف) 4.4
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
5

منذ الصفحات الأولى جذبني السرد بقوة إلى داخل الحكاية، لم أشعر أنني أقرأ رواية، ولكني شعرت أنني أعيش الأحداث مع أبطالها، وجدت نفسي غارقًا ومتورطًا فيما يحدث، ألهث مع ناجي وإدريس وهاجر فوق سطح المنزل، ثم أجلس معهم في السيارة، نجوب شوارع الخرطوم لنصل إلى الفندق ونلتقي ألِكْس، نحاول أن نلتقط أنفاسنا، وأن نفهم سويًا ما الذي يحدث، عن رواية "أيام جنوب النهر" للكاتبة الدكتورة "فاطمة العوَّا" أتحدث.

تعقدت الأمور أكثر، واستمعت إلى حديث ألِكْس وعمَّار في غياب إدريس وناجي، ومن دون أن تدرك هاجر حضرت مراسم دفن أبيها وأمها وخادمتهم، وعرفت حكاية والد إدريس مع نظام الترابي/البشير، تناولت إفطاري معهم، ثم جلست في المقهى الصغير بالفندق أنتظر القرار.

كانت دائرة الحيرة الخماسية تجمع ناجي وإدريس وهاجر وألٍكْس وعمَّار قبل أن تنضم إليهم نبراس، ومن ورائها دائرة حيرة أكبر جمعت المصري والسوداني والسوري واللبناني والعراقي والفلسطيني في مدخل الفندق، دائرة واسعة تكاد تلتهم حاضرهم كله، بعد أن قام التاريخ بالتهام ماضيهم جميعًا، وترك أسئلة ثقيلة، أسئلة الوعي والثقافة والهوية، أسئلة الأمل والحلم والخلاص، أسئلة المستقبل الذي لا يريد أن يأتي بهدوء.

كنت معهم عندما كانوا يقررون أي طريق سوف يسلكون، وعندما تعاهدوا سويًا على ألا يفترقوا، وعندما اضطربوا جميعًا في لحظة مغادرة الفندق تحت دوِيّ صوت الرصاص، وعندما استوقفهم قُطَّاع الطرق. وعندما وقفوا في مزرعة الخالدية، وعندما حدث ما حدث هناك.

عشت معهم كل لحظات الحزن المؤجل والقلق المتواري والخوف الكامن، شعرت بأسى إدريس حين أتم طقوس الدفن في عجلة، وشعرت بآلام هاجر حين قررت تأجيل حزنها لوقت آخر، وشعرت بندم ناجي حين جاء المسلحون يبحثون عمن رفع الفيديو على الإنترنت، وأدركت كل ما كانوا يفكرون به داخل رؤوسهم وينزعون إليه داخل أنفسهم.

استمتعت بتلك العلاقات الإنسانية الصادقة والمرهفة، من قلق هاجر على إدريس وقلقه عليها، ومن خوف مريم على أخيها ناجي بسبب مغامراته الكثيرة، ومن استقبال نبراس لهم في البيت، ومن قرار أبيها بشأنها، ومن وصول دقلش الثعلب.

أحببت إصرار القبطان بكر على دخول ميناء بورتسودان رغم المخاطر، وسط أبواق التحية التي أطلقتها المراكب في عرض البحر.

بين إسلاميين وشيوعيين ومتصوفين وغيرهم، رأيت كيف يترنح الوعي وتتمزق الأمم، وسمعت حوارات السياسة والدين بين طيات السرد، وفي مجلس الشيخ الحاج أحمد القادري، تحدث السرد عن حوت الأوركا الذي يعبر البحار حاملًا ولده الميت، تتحلل الجثة أمامه وعلى ظهره، ومع هذا يستمر في دفعها في المياه رافضًا قبول النهاية.

كان السرد يضج بالأسئلة التي لا تنتهي، حتى عمَّار الحائر بين الهويات والانتماءات، بين الأفكار والأيدولوچيات، أدرك أن جماعات الإسلام السياسي لا تختلف أوضاع الفساد بها عن أي جماعات سياسية أخرى بل تزيد عنهم بفساد أشنع هو استغلال الدين والتجارة به، الكل يتاجر، والأوطان تُباع في أسواق النخاسة.

جَرَت أحداث الرواية من فصلها الأول إلى فصلها قبل الأخير في أيام قليلة من شهر أبريل ٢٠٢٣، لكنها حملت أعمار أبطالها كلها، حملت أحلامهم وأشجانهم وآلامهم وأسئلتهم، عرضت حكاياتهم، شخصيات كانت تظن أن حيواتهم راسخة، فإذا بالأرض تميد من تحت أقدامهم، فيكتشفوا هشاشة تلك الحياة، ويجدوا أن أحلامهم كادت تُهدر في طرفة عين، وأن ذاكراتهم استدعت كل ما فيها من صخب، وأن عليهم إعادة ترتيب كل الأوراق.

أبدعت فاطمة العوَّا في استخدام صوت السرد، عندما كان صوت الراوي العليم يتغير مع فصول كل شخصية ومع تطور الأحداث، فهو أحيانًا واثق وحازم، وأحيانًا متوتر ومضطرب، وأحيانًا حائر ومتسائل، يستسلم لكل شخصية في فصولها، حتى ظننا أنه شخصية أخرى داخل النص تسرد وتصف، تتعاطف وتتساءل، تغضب وتخاف، تحاول أن تدق كل نواقيس الخطر.

هذه رواية تهز جدران الصمت والغفلة بعنف ورقة وشغف، تدفعنا إلى تذكر ما كدنا ننساه، ندرك أنه يجب علينا أن نستعيد الوعي والرؤية والانتباه، لأرض وشعب، هو جزء عضوي في وادينا العظيم، شغلنا الواقع والحال عنه في العقود الطويلة الأخيرة، باهتمامات أخرى باهتة.

من "أيام جنوب النهر" إلى أيام شماله، تظل المياه تجري بين شاطئيه وتحت جسوره، تحمل معها أحلام البشر وذاكرة الزمن ورائحة الأرض والمكان.

Facebook Twitter Link .
1 يوافقون
اضف تعليق