أهم عهد قد يحدث بين الكاتب والقارئ، ألا يشعر هذا الأخير بأن رحلة القراءة قد أضاعت وقته دون أدنى فائدة، وللأمانة المطلقة وفي ثاني تجربة لي مع كتابات رامي حمدي، شعرت بأن الرحلة كانت مثمرة وأنني لم أضيع وقتي بل أنهيت رحلتي بما يشبه الذكرى الجميلة، وأن ثمة شيء واحد على الأقل، شخصية أو اقتباسا أو شعورا، سيبقى عالقا في ذهني للأبد، وهذا يجعلني قبل البدء بأي شيء آخر، أوجه له الشكر و التقدير على مجهوداته في احترام وعي القارئ، وفي احتواء مشاعره بدقة وأمانة، كما أحيي فيه ثقته في قلمه حين يتجه للتدوين خارج الصندوق، بطرق يظهر جليا أنه اجتهد في نظمها حتى وإن عبرها القارئ لم يستغربها ، بل رافقته رؤية الكاتب مطمئنة وكأنما توشوش له؛ "إقرأ ولا تخف، دعك من فزّاعة التصنيفات، استمتع بالقراءة فحسب، ثِق بي، أنت لن تندم"
وللمرة الثانية، بعد "مختصر جمال العالم"، وثقت به واستمتعت لآخر سطر، ولم أندم.
وكي أعود إلى انطباعي عن روايته الجديدة "عزيزتي سيلين"، فأنا سأدرج فقط بعض النقاط التي استوقفتني وليست كلها، لأن التوقف عند كل النقاط سيستدعي مني كتابة مقال طويل جدا أخاف ألا يفي هذا المنتوج الثري(في نظري) حقه.
"هل الصمت شكل من أشكال المقاومة، أم مجرد استسلام أنيق؟"
واحدة من الاقتباسات الكثيرة التي كادت تشمل كل الرواية، دون مبالغة، جعلتني أتوقف عندها، كما لو كانت دعوة جماعية، لكل العالقين في هذه الفترة الحياتية الشديدة الحساسية. مهما اختلفت تجاربنا و مهما تشابه ضياعنا.. إلا أن الأسئلة المطروحة طوال الرحلة، كانت بمثابة إشارات مرور تجبرنا على التريث أو التوقف أحيانا، باحثين عن الوجهة لفهم أنفسنا وتعاملنا مع الفقد والخوف والتخطي واسترجاع الحواس التي قد يلتهمها الألم، كل هذا برفقة البطلة التي لم يعطها الكاتب اسما، وللعجب لم يكن هذا بالأمر المهم، طالما هناك رحلة نفسية عميقة لمجاراة الألم واستعادة الذات، وهنا أتوقف عند أولى النقاط التي استوقفتني:
- رصد الألم بشكل غير تقليدي، نتابع مع البطلة الخمسينية مراحل مختلفة من حياتها، نقلنا عبرها الكاتب بانسيابية متقنة، لم تخلق خلطا أو تشويشا في تتبعها. عرّفنا على أسرتها وعلاقاتها ووظيفتها وبعض الحوادث التي عايشتها، وصولا إلى الألم الذي ألم بها وهي بصدد فقدان أهم حواسها. لم يكن في شكل نحيب وشكاوي تقليدية، إنما مشاركة دافئة من خلال مراسلاتها للمغنية سيلين ديون، كنوع من الدعم الوجداني ربما، فصوت سيلين يعرف معنى الألم لكنه يعيد تدويره بعبقرية إلى أمل، يبدأ بصوت غائب حاضر، لكنه قوي جدا نجح الكاتب في تدعيم إحساس المثابرة به.
- نبرة البطلة: هنا رفعت للكاتب القبعة، إتقانه لنبرة الأنثى لشخصيته جعلتني أتفاجأ من تمكنه من التفاصيل الدقيقة جدا لما يمر بكيان المرأة، وأظن أن تمكنه هذا قد يفوق قدرة الكثير من الكاتبات في ترجمته، حتى أنه فاجأني برصد خدلان الحب لدى المرأة فتعنيف الزوج والتصدي بالكتمان وصولا إلى موقف الحمل والشعور الحميمي جدا بين أم وجنينها، حتى تساءلت كثيرا "تبا! كيف عرفت كل هذا!"
لذا فإن أبحاثه في أدق التفاصيل النفسية للبطلة، جعلني أصدقه بشكل مطلق وأصفق لمجهوده. زد على هذا الوصف الطبي المرافق لحالة البطلة، من تفاصيل نوبات الهلع إلى الإغماء إلى مواجهة الورم وبداية فقدان النطق إلى حدود رحلة التشافي والتصالح مع الكلمات, كل هذا جعلني أشك في أن الكاتب قد تلقى دراسة مسبقة في مجال الطب، لكنه لم يكن كذلك إنما كان اجتهادا لاحترام وعي القارئ.
- الأمكنة: استوقفني وفاء الكاتب لطنطا، فتفاصيلها حاضرة جدا، ووصفه للشوارع كان بالقدر المطلوب لجعل المكان حيا وشاهدا على كل ما يحدث، قبل انتقال بطلتنا إلى الهند في محاولة استشفاء أخيرة، كذلك لم تكن عبثية، بل الوصف حقيقي، سواء للمعبد وطقوس التأمل أو حتى الجبل المحيط.. و هنا يتردد صوته كما أسلفت "ثقي بي" وقد استحق ثقتي.
- الموسيقى: تم ختم المقاطع بأغاني مختارة لسيلين ديون، وتصميم كود يقود القارئ للاستماع لها، في خطوة ذكية و مختلفة، تجعل الموسيقى من الشخصيات الداعمة لسيرة بطلتنا ومعاناة سيلين وصوت الألم و الأمل يطبطب على القلوب المتشابهة في رحلتها هاته.
- جثة الأمان: من بين الأحداث التي حكيت في هذه الحكاية، علاقة البطلة الوطيدة بوالدها، وجمال مشاعر الحب التي كانت تجمع بين والديها، لدرجة أثبتت أن الناس قد يرحلون، لكن جمال مشاعرهم المطمئنة لن ترحل أبدا، وهذا ما يجعلها تبدو كنوافذ للثبات وسط العتمة، حتى وإن غاب المنطق أو رحلت الأجساد... شخصية الأب كانت شبحية، لكنها من أهم الحاضرين بل من دعائم الرواية! لم تكن للأسماء أهمية، ولا حتى أنفاس الحياة، لكن أن تجعل جثة تصدر لك الأمان عوض الفزع أو التقزز أو حتى أحكام مسبقة ؟ فهنا الكاتب قد تفنّن في تثبيت ما أراد لقرائه أن يشعروا به! وما تزال تساؤلات بطلته تطفوا على الأذهان ، لكل طريقته في الرد عليها، حين قال؛
"هل عدم عيش الحياة فقط لأنك فقدت من تحب، ليس هو الوجه الحقيقي للموت؟"
رحلة الصمت في الهروب، في المواجهة، في القوة، في الشجاعة، في الضعف، في الخسارات الكثيرة، وبقايا أمنيات دفنت دون إذن...
في الرحمة و ما لنا من سواها كي “نستعيدنا”.. إن نحن أردنا ذلك.
عزيزتي سيلين ، رواية ثقيلة المعنى لكنها تقرأ بأريحية عجيبة عكس هذا النوع من الإبحار النفسي المظلم، حيث يعامل المرض كمتعة والخوف كفريسة ورغبة البقاء ككل ما تبقى..
رواية تقرأ دفعة واحدة أو على دفعات، حسب احتياج قارئها، لكن المؤكد أن لها مكانا محترما سيشهد العديد من العودات!
ممتنون نحن للصمت على هدهدة أحزاننا إلى أن تنبت لها أجنحة من أمان، فتطير منا إلينا وحولنا، كجزء لا يتجزأ من رحلة هذه المسماة: الحياة.
شكرا يا ناشر الجمال
شكرا رامي حمدي
رحلتي مع #عزيزتي_سيلين
بقلم وسام عمروس

