رحلة في عقل مريض الفصام > مراجعات كتاب رحلة في عقل مريض الفصام > مراجعة Youmna Mohie El Din

رحلة في عقل مريض الفصام - آمال رشاد
تحميل الكتاب

رحلة في عقل مريض الفصام

تأليف (تأليف) 4.1
تحميل الكتاب
هل قرأت الكتاب؟
  • قرأته
  • أقرؤه

    الى أين وصلت في القراءة؟

  • سأقرؤه

    هل بدأت بالقراءة؟نعم


لا يوجد صوره
4

رحلة في عقل مريض الفصام – آمال رشاد

هذا الكتاب ليس مجموعة قصص فحسب، بل هو اعتراف مفتوح، وتجربة عاشت الكاتبة تفاصيلها بصدقٍ موجع. تجربة عقلٍ لا يعرف الحدّ الفاصل بين الخيال والحقيقة، حيث تتداخل الصور، وتتشابك الأصوات، ويصبح الرأس مسرحًا لعوالم لا يراها سواها.

في قصة «جنة نعيم»، تتجلّى فكرة عجيبة وبريئة في آنٍ واحد: الأطفال وحدهم قادرون على رؤية الشيخ بأعينهم، بينما يُحرم الكبار من هذه القدرة. كأننا أمام صدى لأسطورة مصرية قديمة تقول إن «عمود البيت» يسكن معنا، يعيش بيننا، لكنه غير مرئي في حياة البالغين.

أما «سوبر مان»، فهي قصة قصيرة، بسيطة في كلماتها، مختلفة في روحها، جميلة في خيالها. لا تدّعي الحقيقة، بل تعترف بأنها عالم متخيَّل صنعه عقل الكاتبة، لكنه مع ذلك يحمل دلالة إنسانية عميقة.

وفي «بيت جدي»، تبدو القصة واقعية، تدور أحداثها في قرية خلال شهر رمضان، لكنها تأخذ منحًى غريبًا حين يظهر ملك الموت وكأنه يعرف الجدّ، ويختاره بعناية، ويحدّد لحظة موته بعد إصابته بالسرطان. فكرة صادمة، غير منطقية ظاهريًا، لكنها منطقية داخل عالم الفصام حيث يتداخل المقدّس بالمخيف.

إنها قصص غريبة ومعقّدة، كأنها كُتبت بوعي طفلة ترى كائنات لا وجود لها في الواقع، لكنها حقيقية تمامًا في عقلها. عقل لا يشاركها فيه أحد. وهذا ما يجعل التجربة قاسية، بشعة أحيانًا، ومثقلة بالخوف، وتحتاج قبل كل شيء إلى الأمان والتحرّر منه. شعور يصعب وصفه، لكنه حاضر بقوة في كل سطر.

قصة «لأول مرة» تُعدّ الأصعب بين جميع القصص؛ إذ تكشف عن طفل ناقم على الحياة، بلا وعيٍ بالذات، مشبع بكراهية النفس، رغم بساطتها وقصرها. ألم مكثّف لا يحتاج إلى إسهاب ليصل.

أما الحديث عن الانتحار، فهو حاضر كجرح مفتوح. الانتحار رغبة موجعة في الهروب، في رفض الحياة بالكامل. لكن الحياة – رغم قسوتها – واسعة، مليئة بالفرص، ولا تستحق أن تُختصر في تجربة الموت. النجاة ليست ضعفًا، بل انتصار.

المقتطفات التي تفصل بين القصص تشبه قصاصات من مذكّرات شخصية، أوراق متناثرة تحمل غضبًا، وألمًا، وصراعًا نفسيًا، ورفضًا، وعدم تقبّل. نرى الطفل فاقد الذاكرة الذي خسر أخاه، والطفل التائه بين الوهم والواقع، العاجز عن التمييز بين العقل والحقيقة، الباحث عن إجابات لا تأتي، والطفل الذي لا يعرف هويته، فيظلّ سجين البحث عن ذاتٍ ضائعة.

في «نهاية رجل»، تأتي شخصية عم جابر، ومحاولته للانتحار، لا بوصفها شجاعة، بل كضعفٍ إنساني، كجبنٍ أمام ثقل الحياة، حيث يصبح المرء قاتلًا لنفسه.

أما «رخاميات»، فهي قصة مهمّة، يتعلّم فيها الطفل يوسف أول كلمة في حياته، ويشعر أنه ملك الأرض، قبل أن يطارده خوفه من والده. لا يلتفت إلى الوراء، يظلّ عالقًا في دائرة الخوف والضعف.

الملاحظة الوحيدة على العمل هي الحاجة إلى ترتيب أوضح للتنقّل بين الماضي والحاضر، خصوصًا في تقسيم المراحل الزمنية.

ومن مميزات الكتاب: لغته البسيطة، السهلة، وقدرة الكاتبة على التلاعب بالكلمات بذكاء وخيال واسع. لا واقع هنا ولا حقيقة مطلقة، بل مذكّرات طفلة عالقة في ذاكرتها. ربما لا يمكن تسميتها «قصصًا» بالمعنى التقليدي، بل هي قصص الطفلة الحقيقية مع مرض الفصام. والفصام ليس عارًا ولا ضعفًا، بل الاعتراف به شجاعة، ووعي بالذات، وخطوة نحو التقبّل.

الشخصيات ليست سهلة، والسرد ليس بسيطًا، لكن شجاعة الكاتبة في البوح بأفكارها الغريبة، وكأنها تعيش خارج الواقع والبشر، هي ما يمنح النص قوته. هذه ليست حكايات متخيَّلة، بل تجربة معيشة، لا يعرف حقيقتها سواها.

قصة «ولع بالماضي» من أقسى القصص وأكثرها بشاعة، إذ تدور حول محاولة انتحار بلا وعي، واقع مرير، قاسٍ، بلا رحمة، حيث يقتل المرء نفسه ببطء.

تُناقش الكاتبة أهمية الاعتراف بمرض الفصام، فالاعتراف قوة لا تراجع عنها. امرأة ليست مجنونة ولا مختلّة، بل تحمل جروحًا لا تشفى بمرور الزمن. ربما حدث في طفولتها ما لا يمكن نسيانه، وما زال يسكنها حتى اليوم.

اختتمت آمال رشاد كتابها باعتراف جريء، ورسالة صادقة لكل مريض فصام، باستثناء فكرتها الخاطئة عن الانتحار. فالحقيقة الأهم أن الشجاع هو من ينجو من رغبة الموت، ويقاتل ليعيش بلا ذنب ولا خوف.

لا أتفق مع رأي الكاتبة حين تقول إن الشجعان يقتلون أنفسهم؛ فذلك غير منطقي. شاهدتُ مرة عملًا دراميًا قالت فيه البطلة: «إن نجوتَ من الانتحار، فأنت الشجاعة الحقيقية»، وهذا هو الانتصار بعينه.

وأخيرًا، ولأول مرة، أنهيت قراءة هذا الكتاب بكل شجاعة. ألهمتني آمال بذكائها، وبقوة شخصيتها. وبعد جلسة تأمّل قصيرة، شعرت بالفخر بها، وبالأفكار والحقيقة التي نصارعها داخل أنفسنا. الأمراض لها علاج، والشفاء ممكن، وأول الطريق أن نحبّ أنفسنا.

أتمنّى لها مستقبلًا باهرًا، فقد تعلّمنا منها كيف نتصالح مع ذواتنا، وكيف نتمسّك بالحياة، وننجو من الألم والحزن، ونتمسّك بالأمل.

شكرًا للكاتبة آمال رشاد على شجاعتها وقوتها، وننتظر لها مسيرة ناجحة بإذن الله ومع محبّتي الصادقة.

Facebook Twitter Link .
0 يوافقون
اضف تعليق