رواية «حافلة تسع الشياطين» – لبنى حمّاد
هذه ثالث مرة – على ما أعتقد – أقرأ فيها للكاتبة لبنى حمّاد، وقد أصبحت من الكاتبات المفضلات لديّ، أولئك اللواتي أترقب أعمالهن فور صدورها على تطبيق «أبجد»، وقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب. وهذه المرة الأولى التي أقرأ فيها هذه الرواية تحديدًا، بعد انتظارٍ طال، وحماسةٍ لم تخب.
الفكرة بدت مختلفة منذ الصفحات الأولى، غير مألوفة، وخارجة عن النمط المعتاد. وقد استوقفتني بعض الحوارات المكتوبة باللغة الإنجليزية؛ ورغم أنني توقعتها بحكم شغف الكاتبة الواضح بهذه اللغة، فإنها لم تَرُق لي تمامًا، وإن كنت أتقبّلها حين تخدم الشخصية، خصوصًا إذا كانت أجنبية بالكامل، لا تشبهنا في الخلفية ولا في التكوين، وهو ما أضاف بُعدًا منطقيًا لتطور الأحداث.
تدور الرواية حول مجموعة من الشخصيات المختلفة، تُروى حكاياتها من زوايا نظر متعددة، داخل حافلة واحدة، تكشف مع الوقت نوايا خفية، وردود أفعال تعكس ما استقر في الباطن من تربية وبيئات متباينة. حيوات عشوائية، متشابكة، لا تكشف كواليسها بسهولة، ولا يملك أصحابها السيطرة الكاملة على مصائرهم.
ما فهمته أن الركاب جميعهم يشتركون في الحافلة ذاتها، لكن لكلٍّ منهم حكاية مختلفة، ومسارًا خاصًا. وكما لا يمكن الحكم على كتاب إلا بقراءته، لا يمكن الحكم على هذه الشخصيات إلا بالشعور تجاهها: بالشفقة أحيانًا، بالغضب، أو بالكراهية. ويتجلى ذلك بوضوح في شخصية سعد، الذي يعيش أسير شكوكه، يراقب أخلاق زوجته، ويتألم من اعتقاده بأنها لا تحبه.
الشخصيات كُتبت بأسلوب متطور، وإن كنت لا أفضّل الحوار العامي – وقد أشرتُ إلى ذلك في مراجعة سابقة – إلا أنني أُدرك أن القدر جمعهم جميعًا برابطٍ خفي، يذكّرني بفكرة فيلم إنجليزي، حيث تتقاطع المصائر دون سابق إنذار.
شخصيات مثل: مجيدة، سعد، يوسف، إيزاك كاركسي، باسم
كلٌّ منهم حكى حكايته من منظور مختلف، بعينٍ خاصة، داخل الحافلة نفسها، التي تحولت إلى شبكة متداخلة من الرجال والنساء والأطفال، تكشف عن الغضب والخوف، وعن الأسرار الدفينة في نفوس البشر.
السرد جاء بسيطًا في ظاهره، صادمًا في جوهره، مفعمًا بالمشكلات والطموحات والجشع، وتشوهات النفس والجسد: طفل رضيع، ابنة بكماء، رجل بدين يتصبب عرقًا. وقد أبدعت الكاتبة في رسم ملامح الوجوه، والأجساد، والشعر، وتفاصيل الحركة، ولغة الجسد، بدقة لافتة.
باستثناء بعض العيوب، مثل الإكثار من الشتائم، والحوار العامي في مواضع معينة، فإن ذلك لا يُنقص كثيرًا من قيمة العمل، خاصة أن أفكار الرواية غريبة، وخارجة عن الصندوق، وتحمل طاقة مختلفة. فكل مقعد متقدم في الحافلة يكشف حقيقة جديدة، بين ماضٍ وحاضر، في صراع نفسي عميق، تحكمه مخاوف السمعة، وقيود المجتمع، واختلاف الطباع، وتناقض الشخصيات. وكل واحد من الركاب يخوض رحلة سرية، ربما كان من المفترض أن تظل كذلك، تمامًا كرحلات هذه الحافلات.
أما النهاية، فجاءت جميلة وذكية؛ لم تُفصح صراحة عن مصير الركاب: هل نجوا أم ماتوا؟ تشابكت الأقدار، وتسارعت الأحداث، لكن «حاصد الأرواح» لم يكشف عن هويته، تاركًا الأثر مفتوحًا، ومؤثرًا. ورغم وجود بعض التكرار البسيط في الأحداث، خاصة في الجزء الأخير بين باسم وسيد، مما أحدث قدرًا من التشويش، فإن ذلك لا ينفي إعجابي الشديد بالرواية، التي نجحت بامتياز في تشريح النفوس، والتقاط التفاصيل الدقيقة الأخيرة.
وأخيرًا، بعد رحلة مع الأقدار داخل هذه الحافلة، التي شغلتني ذهنيًا في كثير من اللحظات، وأنهيت قراءتها خلال أيام قليلة من صدورها، لا يسعني إلا أن أشكر الكاتبة لبنى حمّاد على أسلوبها القوي، وبصمتها الخاصة، وأتمنى لها كل التوفيق، وكل الفخر الذي تستحقه.

