بين أطياف النفس وألغاز الجريمة: قراءة في "جريمة العقار 47"
التقييم: ٣/٥
طالما راودتني نية الإبحار في عوالم الكاتبة نهى داود، ورغم أن عناوين أخرى كانت تختطف انتباهي وتُرجئ اللقاء، إلا أنني حططت رحالي أخيرًا عند شواطئها، ميممًا وجهي شطر عملها الثالث من حيث ترتيب التأليف "جريمة العقار 47". كانت توقعاتي مشحونة بفضول المُقبل على أدب الجريمة والتحقيق، ذلك الميدان الذي سُمعتُ عن براعة الكاتبة في حياكة خيوطه.
بيد أن الرياح لم تأتِ كما تشتهي سفن توقعاتي. فقد اصطدمتُ بنصٍ يُغرد بعيدًا عن سرب "الجريمة" المحبوكة بعناية، مما خلف في النفس خيبة أمل لا تُنكر كقارئ يخطو خطوته الأولى في عالم الكاتبة. لم يرق لي توظيف الخيال العلمي في السرد؛ فقد بدا دخيلاً على النسيج الواقعي للرواية، مفتقرًا للمنطقية التي تتطلبها مثل هذه الأفكار.
كانت الفكرة المؤسسة للرواية -تطبيق يقرأ النفوس عبر موجات أو خوارزميات- فكرة تحمل بذورًا فلسفية واجتماعية خصبة، لو أنها نأت بنفسها عن القالب البوليسي المقحم. تخيلتُ لو أن العمل تجرد من عباءة "الجريمة" لكان تحفة درامية اجتماعية تُشرح سطوة التكنولوجيا علينا، وكيف باتت شاشاتنا مرايا مشوهة لأرواحنا. لكن المعالجة جاءت بتبسيط مخل؛ فكيف لبرمجية صماء أن تسبر أغوار النفس البشرية المعقدة بهذه السذاجة؟ وتزداد الإشكالية مع تسارع الأفكار وتزاحمها دون أن تُمنح الشخصيات حقها الكامل في التشريح النفسي. فكرة “قراءة النفوس” كانت تستحق غوصًا أعمق، لا توظيفًا عابرًا في مسار تحقيق بجريمة لم تتشكّل ملامحها بإقناع كافٍ...الرواية جميلة في لغتها، مشوّقة في إيقاعها، لكنها تعاني من خلل منطقي وفكري في توظيف عناصرها. وكان بالإمكان، لو أُعيدت صياغة الفكرة، أن تُصنَّف ضمن الروايات النفسية الاجتماعية، مع استثمار أعمق لفكرة “الأطياف” وربطها بالنفس الإنسانية لا بالتحقيقات الجنائية.
علاوة على ذلك، عانى البناء الدرامي من فجوات وتساؤلات بقيت معلقة بلا إجابات تشفي الغليل، وكأن الكاتبة تركت خيوط السرد سائبة في مهب الريح:
-🤚مصير "سما" وحملها، وذلك الشاب الذي توارى في الظل.
🤚"حمدي" و"ميرفت"، وما آلت إليه خطوطهما الدرامية.
🤚أما التحول الأكثر غرابة فكان في شخصية "فاضل"؛ فكيف لمن عاش سنوات من "الخرس الزوجي" والجمود العاطفي أن ينقلب عاشقًا ولهانًا بين عشية وضحاها دون مقدمات نفسية مقنعة؟
🤚كذلك شخصية "نيللي"، تلك المراهقة ذات السبعة عشر ربيعًا، التي مُنحت لسان طبيب نفسي مخضرم وعقلية تحليلية تفوق عمرها بعقود، مما أفقد الشخصية مصداقيتها.
🤚والتخبط في رسم شخصية "صفاء"، التي تأرجحت بين المرض النفسي المستعصي وبين السلامة العقلية المفاجئة، مما أربك القارئ وأضعف الحبكة.
🫷كان بالإمكان استغلال شخصية "زيد" لخلق بُعد سيكوباتى مرعب، أو توظيف فكرة "الأطياف" للغوص في دهاليز النفس البشرية بعمق أكبر، لتغدو الرواية دراسة نفسية/اجتماعية رصينة بدلاً من تحقيق جنائي باهت.
ختامًا..🗯💫
رغم هذه المآخذ، فإن للكاتبة قلمًا رشيقًا وأسلوبًا سرديًا يمتلك جاذبية خاصة، نجح في إبقائي مشدودًا حتى الصفحة الأخيرة. هذه التجربة، وإن شابتها بعض العثرات المنطقية، إلا أنها تظل "استفتاحية" مبشرة، ومحفزة لي لاستكشاف باقي أعمال الكاتبة المدرجة على قائمتي، لعل القادم يحمل النضج الذي أبحث عنه.
شكرًا نهى داود، فقد نجح قلمك في استفزاز قريحتي النقدية، وحمّسني للمزيد
وفقكِ الله،
والرأي هنا شخصي، لا ينتقص من العمل، فالنقد حق للقارئ ما دام محترمًا وبنّاءً

