مجموعة قصصية بعنوان برطمان النوتيلا
تأليف فاطمة محمد العوا
كُتبت هذه المجموعة بفكرة راقية وإنسانية عميقة، ورغم أنني لا أفضّل اللغة العامية عادة، فإنها هنا جاءت مناسبة للسياق، ونجحت بطريقتها الخاصة في نقل المشاهد الحقيقية التي نعيشها بداخلنا في واقع مؤلم ومرير.
اختارت الكاتبة المرأة محورًا رئيسيًا لحكاياتها، ليس كرمزٍ مجرّد، بل ككائن حيّ يتألم ويصمد. امرأة تعيش في الظل، في مواقع الخادمات، وفي دوائر الاستعباد والإهانة، وتتحمّل ما يفوق طاقتها بصمت ثقيل. من خلال هذه القصص، انكشفت عوالم لم أقترب منها من قبل، عوالم مغمورة بالألم، لكنها لم تُفرغ من الأمل ولا من الإيمان بالحياة.
تتسم المجموعة بالواقعية والطبيعية التي أحبها وربما اعتدت عليها، حيث يمكن للقارئ أن يلمس مشاعر النساء ويعي عمق معاناتهن المشتركة، معاناة تتشابه في قسوتها وصراعها اليومي مع الفقر والعجز والحرمان، حتى يصبح الوجع قدرًا جماعيًا لا فرديًا.
الأكثر إيلامًا كانت قصة الأب
أبٌ لا ينفق على أبنائه، ولا يشعر بمشاعرهم، ونساء يعانين في صمت. جاءت الفكرة صادقة ومؤلمة، كاشفة عن حياة الفقراء والمساكين الذين يحتاجون إلى كل شيء، بينما الحياة تبخل عليهم بكل شيء. تسلّل الألم من الشخصية إلى القارئ حتى يصبح الوجع مشتركًا.
قصة ضرب الحبيب
كشفت عن رجال يضربون زوجاتهم بلا اكتراث، وغياب أي شعور بمشاعرهن أو إنسانيتهن. ولّدت هذه القصة غضبًا داخليًا، وكشفت صورة مجتمع يغضّ الطرف عن الجاني، بينما النساء يُجبَرن على دفع ثمن اختياراتهن الثقيلة، وتكون التضحية الأكبر غالبًا الاستمرار مع زوج سيئ.
قصة كينج كونج
لم تُفرّق بين لون البشرة، بل حضرت الإنسانية في أنقى صورها وسط أزمات العمل والعجز. فتاة تستجمع شجاعتها وتواجه الظلم دفاعًا عن طفل أعزل، مدفوعة بقوة داخلية نادرة. وبرغم برود العائلة وإهمالها، ظل الطفل محور الحماية والاحتواء، فكانت هذه القصة من أكثر النصوص تأثيرًا وصدقًا في المجموعة.
قصة الفأر
مؤلمة ومختلفة، تجمع بين الغرابة والعمق، بين حلم الطفولة وانكساره. طفلة سُلبت منها براءتها وأُجبرت على العمل في البيوت قسرًا، بينما ظل قلبها معلّقًا بأمها. النهاية صادمة، بطابع كوميدي ساخر يترك أثرًا لا يُمحى.
خاتمة المجموعة: قصة زوج الأخت
كشفت تعقيدات الغيرة والشك والحقد، في ظل أم طيبة لا ترى الحقيقة، وحياة تنعكس قسوتها على النساء وحدهن. شعور ثقيل بأن الألم يتكرّر، وأن الفهم يأتي متأخرًا، وأن الدنيا حين تضيق، تضيق على النساء أكثر من غيرهن.
في النهاية، أشكر الكاتبة فاطمة العوا، فهي موهوبة بحق، لأنها نقلت حياة حقيقية عاشت ورأتها، ووصل شعورها إلى قلبي بصدق. كشفت الحقائق الغريبة والعجيبة عن حياة الخادمات، وطريقة تعامل المجتمع معهن، فكانت هذه المجموعة شهادة إنسانية مؤلمة، وصوتًا صادقًا لمن لا صوت لهن.

