السندباد الأعمى أو لنقل سنبدادا بلا سفينة وبلا بحر !
أتذكر أني تساءلت يوما أنقرأ الروايات لنفهم الواقع أم لنهرب منه؟
أغلقت سؤالي وحفظته بلا إجابات،
ولكن هذه المرة باغتتني إجابته!
الواقع يكتب روايته، بل إنها واقعية أكثر من الواقع بكثير،
انتظرت بلهفة نهايات حالمة، أحداثا وردية، بقلبِ طفلة تودّ عالما ورديا كما تحلم، وبعين بالغة التهمت السطور وأنا أخشى النهايات الحالمة التي لا تعكس الواقع !
رواية عن الحياة ، عن الوطن، عن محاولاتنا المستميتة لتشطين الأشرار، والبحث عن الصواب في عالمٍ لا يعرفه، والبحث عن الأخطاء في عالم يغرق فيها، عن الحبّ وزلّاته، والوطن القابع فينا رغم مأساته، عن رغبتك الملحة في أن تكون مسموعا فينتهي بك الحال شفافا كخيال، وعن محاولاتك الجبانة في نبش الماضي وآلامه، عن التظاهر بالعمى مختارا حتى يعميك الواقع إجبارا، عن التيه وضياع بوصلتك وسفينتك حتى تكون سندبادا أعزل، لا قلب، ولا بحر، ولا سفينة!
واحدة من أفضل الروايات التي كتبتها بثينة العيسى، لها قدرة خارقة على تصوير عالم واقعي من الألف للياء،
لكل شخصية جوانبها المظلمة، ولكل منها أخرى لامعة، وصف عميق دقيق لدواخل كل منهم ونفسياتهم، حتى الانتقال في السرد بين الحاضر والمستقبل جاء انسيابيا تماما، مناسبا جدا ، أما عن مناير، الطفلة التي كبرت أمام عينيّ، شخصية مرسومة بعناية، حتى أنها بعدما غابت ٣٠ عاما لتعود وتكمل قصتها بروايتها لم يكن صوتها مستغربا، بل تطور طبيعي متسق متوافق مع ماضيها وحاضرها الذي شهدته!
حتى نواف ، منذ تنقله من الرجل المحب -أو لم يحب- إلى السجين المحرر، والمنتقم المتألم، والأب الذي اختار العمى، كنت في كل مرة أتساءل أنى للمرء أن يقرأ دواخل شخصياته بتلك الوضوح؟ أنى لامرأة أن تعرف كيف تصف نفسية رجلٍ بهذا الحد، ونحن لا زلنا نصارع كيف يفهم كل منا الأخر!
أما النهاية، تلك التي آلمتني إلى حدٍّ أعجز عن وصفه، كنت مع مناير أبحث عن الإجابات، كانت إجاباته وحدها تضيء لي أملا بأنه ثمة في هذه الدنيا إجابات، بأنه ثمة نهاية، ولكن هذي الدنيا ليس فيها لا إجابات ولا نهايات!
فعرفت -وحينها فقط- أني حين قصدت الهرب من الواقع ابتلعني في رواية باغتني فيها بحقيقته وتواجهنا كما لم نتواجه من قبل، فعساي أكون فهمت بعضا منه!

